أنت هنا

قراءة كتاب أساتذة الوهم

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
أساتذة الوهم

أساتذة الوهم

"اساتذة الوهم"، رواية للروائي العراقي المقيم في بروكسل علي بدر، صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ تكشف هذه الرواية عن صفحة مخفية من الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية في بغداد الثمانينات، المقاهي الادبية، التجمعات الشعرية، الحياة المدنية تحت الحر

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 7
انتظرنا أكثر من ساعتين تقريباً في هذا المكان، وقد حصل جميع الجنود الواقفين في الطابور معنا، على كتب نقلهم، إلا نحن، كنا أكثر من عشرين جندياً، بينهم منير وأنا· ثم جاء شخص برتبة عريف أخذنا معاً داخل المبنى·
 
كان مبنى العمليات المتداعي يستخدم فيما مضى كدائرة لتصديق الأختام العسكرية، وفيه قاعة للتوجيه السياسي تنفذ فيها أساليب الدعاية، وكانت بدائية في واقع الأمر، لكن الجنود يحتفظون بمشاعر الخوف والهيبة من ذلك المبنى الحزبي، وقد تراكمت الكتابات والأصباغ فوق نوافذه· كتابات واضحة وأخرى شبه ممحوّة، بسبب تداخل حروفها ولطخات أصباغها الرديئة· ومع أن مؤسسات عديدة قد تعاقبت على استخدامه ولأغراض شتى، كمركز لتوزيع المؤن، وكمديرية للمشاة ولكن عمله السياسي أضفى عليه هيبة خاصة·
 
أما الحجرة المهشمة فقد كانت لجلوس بعض جنود الاستخبارات وقد أضحت حطاماً، أما باقي البناية وقد كانت نظيفة تقريباً فقد هجرت منذ زمن طويل أي بعد الهجوم الإيراني مباشرة، حيث وصلت طلائع قواته إلى الشارع الرئيس الذي يربط بغداد بمدن الجنوب·
 
أدخلنا النائب عريف على ضابط برتبة نقيب، كان يتصل بالتلفون، ويتحدث بصوت عال مع رتبة أعلى منه، ومن الواضح أنه يتصل بشأننا:
 
- نعم سيدي··· الجنود اللي ذكرتهم بكتاب مديرية الميرة عندي··· نعم سيدي راح نرسلهم الآن··· صار سيدي···
 
لم نكن نعرف أي شيء عن الأمر··· بقينا واقفين أمامه لمدة ربع ساعة تقريباً، وقد اتصل بعد ذلك تلفونياً بالوحدة طالباً منهم إرسال سيارة، ثم أمرنا أن ننتظر أمام باب المبنى·
 
خرجنا منير وأنا وأصبحنا نتحدث عن سبب عدم إرسالنا مع الجنود الباقين مباشرة لتعويض القطعات المهيكلة· 
 
بعد ذلك فوجئنا بسيارة زيل قادمة توقفت أمام المبنى، ونادانا السائق:
 
- هل أنتم الذاهبون إلى مقر الفيلق· 
 
- لا نعرف··· قلنا له، ولكنهم طلبوا منا أن نقف هنا·
 
خرج العريف من المبنى برفقة النقيب· فأدينا التحية ووقفنا بالاستعداد، فناولنا كتب نقلنا وقال لنا ستذهبون الآن إلى مقر الفيلق السابع· حينها عرفنا أن مقر الفيلق قد سقط هو الآخر في يد القوات الإيرانية·
 
بعد نهاية المعركة أصبحنا منير وأنا أصدقاء، كنا نتحدث كثيراً فيما بيننا، وعن أشياء متعددة ولا سيما الأدب· ولأننا التحقنا معاً فقد أصبح موعد إجازتنا واحداً، وأتذكر أننا التقينا في اليوم الأول من الإجازة في المركز الثقافي البريطاني، لكن الحديث الذي دار بيننا ذلك اليوم كان عن الأدب الروسي:
 
- كل الروس بالنسبة لنا شيوعيون، أما الأدب الروسي فهو بمجمله بالنسبة لنا محض أدب اشتراكي؟
 
- كلام هواة··· رد منير··· ربما بعض نماذج الأدب الروسي هي التي أعطت مثل تلك الانطباعات·
 
إنها مكتبة القنصلية البريطانية التي تقع في الوزيرية، واحدة من أرقى أحياء بغداد، وتقع المكتبة في شارع مشجر واسع وجميل، عبارة عن منزل كبير فيه غرف واسعة تصبح مدفئة حين يحل الشتاء، وفي الصيف مبردة لذلك نلجأ إليها·
 
على جدران تلك الغرف تنتظم صفوف الكتب الإنكليزية المرتبة حسب الحروف الأبجدية، وحسب الجنس الأدبي، وهنالك ورقة صغيرة مكتوبة بحبر الباليكان الملكي الأزرق، وبحروف متناهية الصغر والدقة· حيث يحفر قلم الحبر أخاديد في ألياف الورقة ذات اللونين البني والبرتقالي· 
 
التقينا مرتين أو ثلاثاً في المركز الثقافي البريطاني، المرة الأخيرة كانت بالصدفة، فتوقفنا وشربنا الشاي في الحديقة، وعند افتراقنا دعاني لزيارته في منزله، أعطاني العنوان وذهب مباشرة مع صديق له في سيارته·
 
في اليوم التالي زرته في منزله، حين دخلت كانت خزانة الكتب أول ما لفت نظري·
 
وهي عبارة عن خزانة كبيرة متعددة الدرفات، مصنوعة من خشب الساج الفاخر، وتمتد رفوفها التي تحمل الكتب من الأسفل إلى الأعلى، وتشغل مساحة واسعة؛ إذ كانت على طول جدار الصالة· وتقع في الواجهة أي مواجهة الداخل للمنزل، وهي أول ما يراه· 

الصفحات