"اساتذة الوهم"، رواية للروائي العراقي المقيم في بروكسل علي بدر، صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ تكشف هذه الرواية عن صفحة مخفية من الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية في بغداد الثمانينات، المقاهي الادبية، التجمعات الشعرية، الحياة المدنية تحت الحر
أنت هنا
قراءة كتاب أساتذة الوهم
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 10
فاوست أو الدكتور إبراهيم
بعد تعرّفي إلى منير بفترة قصيرة، كتب لي رسالة تتحدّث عن شخصية غريبة الأطوار وشاعر خارق اسمه الدكتور إبراهيم، وتحدّث لي فيها عن ديوانه (أناشيد) الذي يعدّه ديواناً فذّاً، واقترح فيها عليَّ أن يقدّمني له كي أتعرّف إليه، وأتعرّف على أفكاره، وعلى شعره، وكانت كالآتي:
قبل عام كنت تعرّفت على ديوان (أناشيد)، وهو كتاب شعري صغير كتبه شاعر غريب الأطوار اسمه الدكتور إبراهيم، وهو جندي طبيب في وحدة الميدان الطبّي في الفرقة الثالثة للفيلق الثاني، أي في الفيلق الذي أنت فيه الآن، ومنذ ذلك اليوم أخذت أطلق عليه الدكتور (فاوست)· ذلك أني من اللحظة الأولى التي شرعت فيها بقراءة هذا الكتاب شعرت بأن شيئاً ما في حياتي قد تغيّر، لا أقول إن حياتي قد تغيّرت تماماً، ولكن الكثير من قناعاتي قد تغيّرت بطبيعة الأمر، والكثير من رؤيتي للعالم والكون والحياة قد تغيّرت تغيّراً جذريّاً بعد قراءة هذا الكتاب، وعلى مدى المرّات التي قرأتهُ بها·
أعرف الآن أكثر من أي وقت مضى، أنه أمر غريب أن تتأثّر حياتك بكتاب، ولكن هذا الكتاب أثّر في حياتي تأثيراً بالغاً، وربما أكثر من كل الكتب التي قرأتها في حياتي، ولست وحدي من يذكر هذا الأمر، ويعترف بتأثير هذا الكتاب الصغير عليه، إنما أغلب الذين قرءوه من أصدقائي والذين كانوا من الجنود في الجبهة أيضاً·
أشعر أحياناً بأنني إلى اليوم واقع تحت تأثير سحره، على الرغم من مرور عامٍ على قراءته، ولا أقصد الديوان وحده من حيث هو: بكلماته ودلالاته وصوره، إنما بسلسلة الأفكار التي كانت وراءه، وبشخصية الدكتور إبراهيم أيضاً وبحياته، الشاعر الذي كتبه، والذي لا ينفصل انفصالاً كبيراً عن ديوانه، لا بغرابته وجنونه فقط، إنما بروحه الشيطانية ووحيه وقوة تأثيره أيضاً، أما الديوان، فقد كان، دون شك، الواسطة التي أدخلتني إلى هذا العالم الساحر والمراوغ والمغامر·
ثم انتهت الرسالة بالجملة التالية:
منذ العام الماضي، الزمن الذي قرأت فيه هذا الديوان، وحتى الآن، وأنا أعيش حياة ثانية، لا علاقة لها بحياتي الأولى، لقد حرّرني هذا الديوان من مفاهيم طبيعية مثل الموت والحياة والنوم والطعام والأشياء الأخرى
بعد قراءتي لهذه الرسالة المتحمّسة، طويتها بيدي، ركنت سلاحي على جدار الموضع وأخرجت سيجارة من جيب بنطلوني العسكري، أشعلتها وركنت ظهري إلى الوراء وأخذتني برهة تأمل طويلة، ما عسى هذا الديوان أن يكون ليفعل هذا الفعل بمنير؟
ومن جهتي ما كان لي بعد أن قرأت رسالته أن أستسلم إلى أي نوع من أنواع الطمأنينة الباردة، وفي ذلك الوقت بالذات كان الهدوء جحيماً بالنسبة إلى نفسي المتوثبة، ما إن أقرأ شيئاً حتى أشعر أن نفسي تأبى أن تنحصر في دائرة وجودها الضيقة، ربما بسبب الحرب، وشعوري بقصر حياتي، جعلت روحي تصبو إلى ما وراء حدود الرغبة المعتدلة· كنت أشعر بروحي تشتعل بنار عسيرة الإطفاء، وتتحرق عطشاً ولواحاً إلى المعارف، كنت أشعر ذلك الوقت بروحي لا تتعب من شيء إلا من الراحة، لذلك كنت أعيش تحت نزوع مستمر نحو آفاق جديدة وأفكار جديدةـ أبحث عنهاـ بل كنت أطاردها مثل شبح·
فمن غير المعقول أن أقرأ كل هذه الأشياء عن كتاب ولا أكترث به، ولا سيما أنه أثر على منير، ومنير بالذات، لماذا؟
لم يكن منير عند تعرفي إليه شخصية سهلة أبداً، كان شخصاً ذا وجه رؤيوي، أشبه بمنجم حقيقي، عيناه حادتا الذكاء، وله نظرة قوية كأنها ازدراء متعال، كان شخصاً يخيل إليك أنه فوق الكل، وله طبيعة استقلالية عجيبة، فلديه شعور أنه لم يعد بحاجة إلى أن يتلقّى عن الآخرين درساً أو تجربة؛ لأنه يتوهم في نفسه أنه قد عانى كل التجارب، وأنه عاش في عالم الما-وراء، وتعمق في فكرة الموت، حتى لم يعد يدهشه أي شيء·
وأثناء تعرفي إليه، كان، أو هكذا تظاهر، بأنه يعرف اللغة الروسية ويترجم منها، صحيح اكتشفت ولو بعد مقتله أن معرفته بالروسية كانت شحيحة جداً، وأن الشعر الذي كان يترجمه لنا في واقع الأمر كان يؤلفه ارتجالاً، ولكن هذه موهبة مضافة أيضاً؛ لأن الجميع ذلك الوقت تأثر بأشعاره على أنها قصائد مترجمة، مع أنها قصائده·


