"اساتذة الوهم"، رواية للروائي العراقي المقيم في بروكسل علي بدر، صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ تكشف هذه الرواية عن صفحة مخفية من الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية في بغداد الثمانينات، المقاهي الادبية، التجمعات الشعرية، الحياة المدنية تحت الحر
أنت هنا
قراءة كتاب أساتذة الوهم
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 4
أخبرتاني ذلك الوقت أنهم (العائلة كلها) يعدّون أنفسهم للسفر إلى موسكو، والاستقرار هناك نهائياً، وطلبت منّي ليلى أن أكتب لها عنواني البريدي لتكتب لي فيما إذا احتاجت منّي شيئاً، أو على الأقل أن لا يضيع عليها أثري·
ومع أني كنت أنتظر رسالة منها، لا أدري كيف، فمن حين إلى حين كنت أتذكّر أني أعطيتها عنواني، ولكن نسيت من مدّة أمرهما لانشغالي بالحرب على العراق بعد العام 2003، إلا أن رؤيتي لهذه الرسالة وفي هذا اليوم بالذات أزالت الغبار عن ذكريات قديمة جداً، ذكريات كنت احتفظت بها بحب في مكان ما من قلبي، ذلك أن هذه العائلة كما لو كانت عائلتي، أنا وعيسى على الأخص، فلم يكن شقيقها منير صديقنا في الجيش فقط، إنما قضينا عيسى وأنا في منزلهم المقابل للريسز القديم في المنصور أجمل الأمسيات·
ولا بأس أن أذكر بعض المعلومات السريعة عن هذه العائلة:
كان والدها مجدي السماك مهندساً في شركة نفط الشمال، ذهب للدراسة في جامعة موسكو في الستينيات، وتزوج من امرأة روسية اسمها أولغا، كانت تعمل أمينة مكتبة في الحي الذي قطنه في موسكو، وقد أنجبت له ليلى، التي بعثت لي بهذه الرسالة، ومنير، صديقنا في الجيش الذي كان مولعاً بالشعر مثلنا، وقد استشهد في الأيام الأولى من آخر شهر من الحرب العراقية الإيرانية، أي في شهر آب من العام 1988·
هنالك في ذلك المنزل الجميل الذي صمّمه له معماري عراقي، درس العمارة في موسكو أيضاً، وكان مثله متزوجاً من روسية، اسمه نجيب علي نجيب - صمّمه على طراز مختلط بين نمط العمارة الروسية الذي يعتمد على الأفاريز والزوايا وبين النمط العراقي في العمارة الذي يعتمد على الشرفات والإطلالات الخارجية-، في هذا المنزل الفخم كنا نقضي جلّ أيّام إجازتنا من الجيش، نشرب الفودكا التي كان والده يحب أن يضعها في رفوف متوازية قبالة مكتبة كبيرة تحتوي على مجلّدات الأدب الروسي والعربي، الكلاسيكي والحديث، وهنالك الغرامفون الأسود الذي تنبعث منه أجمل الموسيقى الكلاسيكية وأعذبها، وفي الزاوية الأخرى كان هنالك بيانو جميل تعزف عليه والدته، وكان منير يخبرنا في لحظات سكره أن هذا البيانو قد ورثته والدته أولغا من حفيدة تشايكوفسكي، حيث تقرب والدته من زوج هذه المرأة، ومع أن هذه القصة هي كذبة ظاهرة وواضحة إلا أننا كنا نستقبلها عيسى وأنا بود وبفرح غامرين، ولا سيما عيسى الذي يقول:
إن لم نكن عرفنا تشايكوفسكي أو التقينا به، فعلى الأقل كنا نجلس في منزل له صلة ما، صلة غامضة بهذا الملهم الموسيقي العظيم·
كان منير، أمه وأبوه وشقيقته وعمته يعيشون في المنزل المؤلف من طابقين· قبل هذا الوقت كما قال لنا كانوا يسكنون داراً طابوقية صغيرة في كمب راغبة خاتون، شيّدها جده في العام 1951، بينما منزلهم الجديد شيّده والده في العام 1970، وكُتب فوق الباب المطل على الشارع منزل المهندس مجدي السماك كما درجت الموضة في تلك الأيام·
حين جاءت أمه من روسيا جلبت معها عدّتها إلى بغداد: بيانو، ومجموعة كبيرة من الكتب الروسية القديمة والحديثة، وأدوات مطبخ، وبعض الأشجار المزروعة في الحديقة، وأشياء كثيرة يمكن أن يلحظها الزائر في المنزل: أبجورات روسية، فوتيات جلدية مميزة، أجهزة كهربائية، فضلاً عن الصور الكثيرة المعلقة على جدران الصالة، لا الصور عن الطبيعة الروسية فقط، ولكن هنالك صور عديدة مع صديقات لها أجنبيات في بغداد·
ومن الضروري أن نقول إن الزيجات الأجنبية في الستينيات والسبعينيات ولا سيما من الروسيات والسلافيات بشكل عام، هي الأخرى على الموضة، فقد كان الزواج من أميركيات وبريطانيات نادراً ولا يمر دون تساؤلات، بسبب الماضي الاستعماري وبسبب الإعلام الرسمي القومي المعادي لهذه الثقافات، والذي يقترب من العنصرية بعض الأحيان· ولكن الزواج من روسيات وسلافيات وعموم أعراق أوربا الشرقية، كان شائعاً، ولا سيما بين الطلاب العراقيين الذين يذهبون للدراسة في هذه الدول، التي كان يطلق عليها ذلك الوقت الدول الاشتراكية، وكان عدد الموفدين كثيراً، بسبب رخص الحياة ومجانية الدراسة فيها، وكذلك بسبب الحب العقائدي للكثير من الشيوعيين إلى الأنظمة التي تحكم هناك، وجل هؤلاء يشكلون طليعة الشباب ذلك الوقت، وأكثرهم من عائلات الطبقة الوسطى·


