"اساتذة الوهم"، رواية للروائي العراقي المقيم في بروكسل علي بدر، صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ تكشف هذه الرواية عن صفحة مخفية من الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية في بغداد الثمانينات، المقاهي الادبية، التجمعات الشعرية، الحياة المدنية تحت الحر
أنت هنا
قراءة كتاب أساتذة الوهم
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 6
أصدقاء الحظ النكد
تعرفت إلى منير في الجيش، وفي الأشهر الأولى من خدمتي في الحرب، كان ذلك في العام 1986 على ما أعتقد· كنت يومها وصلت حديثاً إلى البصرة للاشتراك أول مرة في حياتي في معركة، وكانت شرق مدينة البصرة، حيث سقطت مدينة الفاو بيد القوات الإيرانية!
يا للحظ النكد! علي أن أبدأ مشواري العسكري بأخطر معركة· هكذا قال شاب جالس إلى جانبي·
- سيجارة·· تدخن··· قدم لي سيجارة··· تناولتها وأخرجت القداحة من جيبي وأشعلت له·
- هل رأيتك في مكان ما··· أنت من بغداد··؟ قال·
- نعم··
هل تتردد على مكتبة القنصلية البريطانية··؟
- نعم بالتأكيد·· فرحت جداً بذلك·
لم نكن نعرف أي شيء عن المعركة، ولكننا عرفنا من سائق ناقلة عسكرية أن مدينة الفاو وشبه جزيرة الفاو التي تشكل رأس المثلث فيها رأس البيشة ملتقى شط العرب وخور عبد الله في الخليج العربي، قد سقطت بيد القوات الإيرانية ليلة أمس· كل شيء يدل على أن المعركة طاحنة· أرتال الجيش القادمة كتعزيزات من أماكن أخرى تتقدم، وأرتال أخرى ولا سيما المحطمة من المعركة تنسحب· ففي مسافة كيلو متر واحد هنالك عشرات الدبابات، وناقلات الأشخاص المدرعة، والمدفعية بأنواعها، وعجلات القدمات الإدارية، والإسعافات قد تداخلت فيما بينها، وتكاد سرعة التقدم تقاس بعدة أمتار في الساعة، فكانت الأمطار غزيرة والأرض موحلة تماماً·
قبل ذلك كان علينا أن نتسلم كتب نقلنا ونذهب إلى الجبهة، حيث كانت هنالك ناقلات عسكرية في انتظارنا· فانضممنا -هذا الشاب وأنا- إلى طابور من الجنود المصطفين أمام مبنى العمليات العسكرية· في معسكر الشعيبة في البصرة·
انتظرنا قرب عمود حجري متصدع· ثمة شظايا زجاج داكنة اللون متناثرة على الأرض؛ ربما هي من مخلفات غرفة زجاجية كانت فيما مضى تطل على حديقة المبنى، لم يبق منها بعد القصف غير أعمدة هيكلها الحديدية الصدئة، وبقايا قطع زجاجية مهشمة مازالت تتتشبث بتلك الأعمدة·
كنا نعرف أننا هنا من أجل تعويض الوحدات المبادة في هجوم الأمس، وكل جندي فينا يعرف بأن الهجوم الذي حدث ليلة أمس قد أوقع قتلى كثيرين، وأن عليه أن يعوض جندياً قتيلاً·
- هنالك قتلى كثيرون، همس لي هذا الشاب·
التفت لي آخر وقال:
- علينا أن نعوض الوحدات المهيكلة، أي التي تباد في الحرب ويعاد تشكيلها، كي نعاود الهجوم مرة أخرى·
أما تحول هذا المبنى إلى مكان للتسويق فلم نكن نعرف به إلا ذلك اليوم·


