كتاب "دور العرب في تطور الشعر الأوروبي" للناقد العراقي د.عبد الواحد لؤلؤة، صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ ويقول د.
أنت هنا
قراءة كتاب دور العرب في تطور الشعر الأوروبي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

دور العرب في تطور الشعر الأوروبي
الصفحة رقم: 4
تكاد المصادر العربية تجمع على رواية واحدة عن فتح الأندلس· فبعد انتشار الفتح الإسلامي في شمال أفريقيا أرسل موسى بن نصير اللّخمي، مولاه طارق بن زياد، البربري، والي طنجة ليستطلع أحوال جزيرة إيبيريا؛ فأرسل هذا حملة بقيادة طريف بن ملوك عام 710م ومعه 400 رجل، فاستقرّ في جزيرة صغيرة في أقصى الجنوب الغربي من ساحل إيبريا، تقابل طنجة على الساحل الأفريقي، صارت تعرف باسم تاريفا أو طريف وفي 19 تموز،711م عبر طارق البحر على رأس سبعة آلاف من العرب والبربر، بعد أن اتصل به يوليان حاكم سبتة Ceuta وقدم له المعونة· ولا يهمنا هنا ما دعا يوليان هذا لتشجيع الفتح الإسلامي، انتقاما من خصومة له مع أحد ملوك القوط، ولكن ما يهمنا أن عدد العرب في جيش طارق كان قليلا بالنسبة إلى البربر، فأتبعهم موسى بأعداد أخرى من العرب عام 712م يقدّرهم بعض المؤرخين بثمانية عشر ألفاً، وهكذا استمر زحف طارق على الحواضر الإيبيرية·
كان دخول المسلمين من عرب وبربر إلى إيبيريا لغرض الاستقرار، لا للغزو والعودة إلى الديار محمّلين بالغنائم والأسلاب، كما كان الأمر في الفتوحات الإسلامية في المشرق العربي· لكن كثرة البربر في المراحل الأولى للفتح سببه دخولهم الإسلام في وقت مبكّر، ومرافقتهم طارق البربري· غير أن الجيش الذي أرسله موسى بن نصير عام 712م ليعزّز قوّة طارق كانت غالبيتهم من العرب ومواليهم، الذين ذهبوا للاستقرار لا للغارات· وقد تعرّب هؤلاء الموالي وانتسبوا إلى القبائل العربية، وصاروا مع مرور الزمن عرباً بالولاء والدين والثقافة· وفي عام 716م وليَ الأندلس الحرّ بن عبد الرحمن الثقفي الذي جاء من أفريقيا على رأس 400 من النخبة بين العرب· ثم عيّن الخليفة عمر بن عبد العزيز السَّمحَ بن مالك الخولاني سنة 719م، فجاء ومعه جيش من العرب، في رواية، و500 في رواية أخرى· وإثر ثورة البربر سنة 740م أرسل الخليفة هشام بن عبد الملك حملة من ثلاثين ألفاً من أجناد الشام إلى شمال أفريقيا قائلاً والله لا أتركنّ حصناً بربراً إلاّ جعلتُ إلى جانبه خيمة قيسي أو تميمي (1)·
على الرغم من هذا كلّه، بقي المسلمون من عرب وبربر أقلية في البلاد المفتوحة، التي تغيّر اسمها من إيبيريا (الإغريقية) إلى الأندلس، وهو تحريف فندالوس إحدى جماعات القوط الغربيين التي كانت تسيطر على باطقة Bética في جنوب البلاد؛ وتوسّع الاسم ليطلق على عموم البلاد التي فتحها المسلمون· وبدأت هذه الأقلية من الفاتحين المسلمين بالزواج بالنساء المحليات، وأولهم عبد العزيز بن موسى بن نصير، الذي تزوج أرملة لذريق Rodrigo الذي قتل في أول الفتح· لقد جاء الفاتحون إلى الأندلس دون أهليهم، فكان الزواج من الأندلسيات، إلى جانب دخول أعداد متزايدة من المسيحيين في الإسلام، واتخاذ اللغة العربية وسيلة التخاطب والتعامل الأساس، مما جعل للعرب والبربر المتعرّبين بالولاء، والمسيحيين من مُسالمة ثم مُولََّدين، قاعدة لمجتمع جديد، ذابت فيه الأصول الإسپانية· وقد تنامى التعريب والأسلَمة في المجتمع الأندلسي الجديد، حتى وجدنا بعد مرور قرن ونصف من الزمان عدداً من رجال الكنيسة المسيحية يعبّرون عن بَرَمِهم بهذه الظاهرة، إذ وجدوا أهل البلاد الأصليين قد نسوا دينهم المسيحي وثقافتهم الكنسية، وحتى اللغة اللاتينية، لغة الصلوات والعبادة الكنسية؛ فقد حلّ محلّ ذلك كلّه دين جديد وثقافة جديدة، بلغة جديدة هي العربية·
وفي حدود أربع سنوات كان الفتح الإسلامي قد امتد إلى أهم المدن والحواضر الأندلسية مثل إشبيلية وطليطلة وما حولهما، والتقى موسى بن نصير مع طارق بن زياد في طريق العودة إلى طليطلة، حيث أمر موسى بضرب أول عملة في الأندلس مزدوجة اللغة· وفي هذه الأثناء، أرسل الخليفة الوليد بن عبد الملك يستدعي موسى ومولاه طارق إلى دمشق لكي يعرضا عليه نتائج حملاتهما· فخلّف موسى ابنه عبد العزيز على الولاية الجديدة وتوجّه مع طارق إلى دمشق حاملَين الكثير من الذخائر والكنوز، وكان الخليفة على وشك الموت، فسلّماه ما حملا من الغنائم، مما أثار حفيظة ولي عهد الخليفة، سليمان بن عبد الملك، الذي أراد أن يستأثر بالغنائم عند وفاة الخليفة أخيه· وكان أن أوقع سليمان بموسى بن نصير فحبسه وأغرمه، وضاع ذكره بعد ذلك كما ضاع ذكر طارق، بسبب تصرّف سليمان بن عبد الملك، وهو أمر يبعث على شديد الأسف، ويشكّل وصمة عار في تاريخ الخلافة الأموية·
لا تورد المصادر اللاتينية المعاصرة ما يوازي الرواية العربية لفتح الأندلس· بل ربما يمكن القول إن بعضها يتحدث بتعاطف سلبي عن الفتح الإسلامي، الذي وجدوا فيه خلاصاً من تسلّط القوط الغربيين، من برابرة القبائل الجرمانية، التي انقضّت على الإمپراطورية الرومية عام 904· وثمة من المؤرخين من يشكّك في وجود شخصية طارق بن زياد، وفي قدرة سبعة آلاف محارب من العرب والبربر من التغلّب على ملايين من الإسپان يعيشون في أهم مدن العالم ازدهاراً في تلك الأيام· ومن الأبحاث الأورپية الحديثة كتاب الإسپاني إيناثيو أولاگوّي Ignacio Olage الذي صدر عام 1974 بعنوان: الثورة الإسلامية في الغرب، ونقله إلى العربية ملخّصاً إسماعيل الأمين بعنوان: العرب لم يغزوا الأندلس: رؤية تاريخية مختلفة· يرى هذا المفكّر الإسپاني المعاصر أن الدعوة الإسلامية في إسپانيا لقيت مناخاً ملائماً بحيث لم يُجر الإسپانيون الذين سادت في مجتمعهم الديانة الآريوسية خلال القرن الثامن إلاّ تعديلات طفيفة على معتقدهم وفكرهم وثقافتهم وعاداتهم ليتحوّلوا إلى الإسلام (2)· كان آريوس هذا كاهناً من أصل ليبي (256-336م) عاش في الإسكندرية ومارس نشاطه الكنسي فيها· وكان يؤمن بأن يسوع كائن فانٍ وليس إلهاً وبهذا أمكن الحديث عن المسيحية التوحيدية في مقابل مسيحية التثليث الكاثوليكية، التي اعتنقها الإمپراطور الرومي قسطنطين (274-337م) عام 313م فصارت الديانة الرسمية للإمپراطورية، ومنها شبه جزيرة إيبيريا· ولكن الآريوسية التي تنفي ألوهية المسيح والثالوث المقدس هي أحادية ترى أن يسوع والروح القدس ذات واحدة· ومن هنا يشير ابن كثير صاحب تفسير القرآن العظيم إلى صاحب هذه الديانة التوحيدية باسم عبد الله بن آريوس انتشرت الآريوسية في إيبيريا وغدت المسيحية الكاثوليكية في حالة انحلال كامل في نهايات القرن السابع، إذ غدت الآريوسية هي الديانة الرسمية في دولة مزدهرة· ويشير ليفي پروفنسالإلى وجود عبارات التوحيد الإسلامية على بعض النقود التي تعود إلى بدايات القرن الثامن، أي قبيل فتح الأندلس، محفوظة في المكتبة الوطنية في پاريس، وعليها صورة النجم المثمّن، مما يشير إلى سيطرة المذهب الآريوسي في جزيرة إيبيريا·(3) بناء على هذا، يرى المؤلف الإسپاني أن العرب والمسلمين لم يفتحوا إسپانيا عسكرياً، وأن التحوّل إلى الإسلام في الأندلس لم يتم إلاّ عبر حركة الأفكار وتصارعها ثم هيمنة ما يسمّيه بالفكرة/القوة التي شكّلت عصب الحضارة العربية الإسلامية في ثلاثة أرباع عالم تلك الأيام (4)·