كتاب "دور العرب في تطور الشعر الأوروبي" للناقد العراقي د.عبد الواحد لؤلؤة، صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ ويقول د.
أنت هنا
قراءة كتاب دور العرب في تطور الشعر الأوروبي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

دور العرب في تطور الشعر الأوروبي
الصفحة رقم: 7
شيء من الشعر
الشعر كائن حيّ، ينمو ويتطوّر···لكنه لا يموت· وإذا ما غاب عن الساحة زمناً، لا يلبث أن يعود بلُبوسٍ أخرى· يروى عن امرئ القيس بن حجر الكندي أنه أول من وقف على أطلال دار الحبيبة وبكى لغيابها عنه، وكان واقفاً، يخاطب صاحِبَيه· ثم راح يصف المواقع من الصحراء العربية القريبة من دار الحبيبة، أو البعيدة عنها· ويخبرنا الجاحظ أن الشعر العربي يعود تاريخ المعروف منه إلى مئة وخمسين سنة قبل الإسلام· غير أننا لا نعرف إن كان من سبق من شعراء الجاهلية قد وقف يبكي الأطلال ويخاطب صاحِبَيه· لكن معلّقة امرئ القيس رسمت حدود عمود الشعر في التراث العربي: بكاء على الأطلال، ذكر الحبيب، التغزّل الذي قد يذهب مذاهب بعيدة من الوصف، ثم شيء من الحكمة أو المديح··· وقد درج المعروف من شعراء الجاهلية بعد امرئ القيس على خطى سيّد الشعراء وقائدهم إلى النار إذا صح ماروي عن الرسول(ص) في مخاطبة ابنة امرئ القيس أو حفيدته! غير أننا لسنا واثقين أن الشاعر قال لصاحبيه: لننظم قصيدة على بحر الطويل، وقوامه فَعولُنْ مَفاعيلُنْ فَعولُنْ مَفاعِلُ· فالتسمية خليلية لاحقة، أطلقها الخليل بن أحمد الفراهيدي في البصرة قبل أن يتوفى في حدود عام 170 هجرية 786م· ولم يلتزم الشعراء بعد امرئ القيس بالبحر الطويل، بل طوّروا في إيقاعاتٍ وأوزانٍ جمعها الخليل، أو جمع المشهور منها بخمسة عشر بحراً، زاد عليه تلميذه الأخفش بحراً هو السادس عشر، المتدارك· وهذا بحدّ ذاته نموّ وتطوّر· كما أن خطاب الاثنين لم يبقَ على حاله عند الشعراء اللاحقين· فامرؤ القيس نفسه، ربما في آخر ما روي عنه، يخاطب صاحباً واحداً، لا اثنين، ما كان أحوَجَه لهما، وهو يضرب في الفيافي والقفار قاصداً القسطنطينية:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقنَ أنّا لاحِقان بقيصرا
ليس الشاعر هو الذي يبكي هنا، بل رفيق رحلته الوحيد· وهذا تطوّر آخر، ونحن لمّا نبارح صاحب أول معلّقَة جاهلية· لكنّ خطاب الاثنين بقي ماثلاً في بعض الشعر العربي اللاحق، ربما من باب احترام التراث، لكنه تطوَّر خطاباً، ليس في صحراء، بل في رياض وجنان:
يا صاحبيّ تقصّيا نظرَيكما
تَرَيا وجوهَ الأرض كيف تُصوَّرُ
تَرَيا نهاراً مُشمساً قد زانَه
زهرُ الرُّبى فكأنما هو مُقمرُ
وإذا كان الفراهيدي قد حدّد لنا ما جمع من معروف الشعر في أيامه وقطّع إيقاعاته على إيقاعات المدقّة في سوق القصّارين بالبصرة، فإن بعض تلك القصائد لم تستجب تماماً لتفعيلاته، فكان الزّحاف والخَبنُ والطيّ··· وكانت قصيدة/معلّقة عَبيد بن الأبرص(25 ق· هـ /597م) التي تتحدّى العروضيين إلى يومنا هذا:
أقْفَرَ من أهلِهِ مَلحوبُ
فالقُطَّبيّات فالذَّنوبُ
أيُّ بحر خليلي هذا؟ أهو من الرَّمَل؟ أهو صحيح أو مطوّر عن بحر آخر؟ أيصحّ تقطيعه على: فاعلاتُن فاعلُ فاعلُ في الشطر الأول، ثم: فاعِلاتُن فاعِلُنْ فعولُ، في الشطر الثاني؛ وأيّ تنويع على أي بحر خليلي هذا المطلع من قصيدة جاهلية استحسنها أغلب الرواة، وعدَّها بعضهم مع المعلّقات إلى جانب معلّقة امرئ القيس وزهير وبقية العِشرة الطيبة؟ وهل يلتزم عبيد بن الأبرص هذا الوزن في بقية الثمانية والأربعين بيتاً من قصيدته/معلّقته؟ وكيف يستقيم البيت الثامن في وصف عينين دمعها سَروبُ بقوله:
واهيةٌ أو مَعينٌ مُمِعنٌ
من هَضْبَةٍ دونَها لُهوبُ؟
أيمكن تقطيعه على: فاعِلاتُنّ فاعلاتُن فاعِلُن في الشطر الأول، الذي يخبرنا العروضيون أنه من بحر الرَّمَل، لكنّ شطره الثاني يجري على: مُستفعِلُنْ فاعِلُن فَعولُ، وهو من البسيط، بعد لَيِّ عُنُقه وتقطيع أوصاله؟ ثمة أبيات رائقة الوزن مثل البيت الحادي عشر:
تصبو، وأنّى لك التصابي
أنّى، وقد راعك المشيبُ؟

