أنت هنا

قراءة كتاب دور العرب في تطور الشعر الأوروبي

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
دور العرب في تطور الشعر الأوروبي

دور العرب في تطور الشعر الأوروبي

كتاب "دور العرب في تطور الشعر الأوروبي" للناقد العراقي د.عبد الواحد لؤلؤة، صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ ويقول د.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 5
ثم يستطرد المؤلف فيقول إن اختلاف الروايات عن الفتح··· خرافات لكن الروايات التاريخية غير العربية تتحدث عن حروب الكرّ والفرّ منذ 713م يوم دانت شبه جزيرة إيبيريا إلى الإسلام· وقد تواصلت هذه الحروب حتى سقوط غرناطة ونهاية الوجود العربي- الإسلامي في الأندلس عام 1492م· إنني أرى في هذه الآراء خدمة للفتح الإسلامي للأندلس، فهي تقف بوجه الشائع من الآراء الغربية عموماً التي تقول إن الإسلام انتشر في العالم بحدّ السيف· إن شكوى إلفارو مطران قرطبة، في أواسط القرن التاسع، التي نقلها دوزي عن النص اللاتيني الأصلي، هي شكوى عن اضمحلال المسيحية في بلاده (ومن المفارقة أن إلفارو هذا كان من أصل يهودي) (5) وعن تضاؤل المعرفة باللغة اللاتينية والكتب الكنسية، التي حلّت محلها الديانة الإسلامية واللغة العربية وثقافتها· ولا توجد أية إشارة في شكوى المطران وأمثاله إلى أن ذلك التحوّل قد جرى بحدّ السيف، بل كان تطوّراً سلمياً حضارياً في كنف تعايش وتزاوج بين المسلمين من عرب وبربر وبين أهل إيبيريا·
 
هذه الظروف في الأندلس، التي ازدهرت مع اتساع الفتوح إلى الأصقاع المختلفة من جزيرة إيبيريا، هي التي مكَّنَت من التبادل الحضاري، تأثرا ًوتأثيراً· وكان من طبيعة الأشياء أن تتأثر البيئة الأندلسية، فكراً وحضارة، بمظاهر الحضارة العربية الإسلامية التي انتقلت إلى إيبيريا القروسطية المسيحية مع موجات من تدفّق العلماء والأدباء من حواضر المشرق، وبالأخص دمشق وبغداد· وقد جرى هذا على الرغم من الاضطرابات السياسية التي بدأت بعد غياب موسى وطارق وبداية عصر الولاة، التابعين إلى سلطة الخليفة في دمشق· كان الخليفة الأموي يخشى من تنامي قوة الولاة التي قد تدفعهم إلى الاستقلال في تلك الأصقاع البعيدة، لذلك تنامت ظاهرة تبديل الولاة بسرعة حتى وصل عددهم 22 والياً في مدة 40 سنة تقريباً· وكانت هناك الصراعات القبلية والعرقية، بين القيسية واليمنية، وهناك ثورات البربر من أتباع طارق· ولكن على الرغم من ذلك كله كان تعرّب البربر والموالي مستمراً، كما استمر التمازج مع أهل البلاد الإيبيريين في ظل التسامح الديني واستمرار الفتوحات· فقد عبر عبد الرحمن الغافقي إلى بلاد الغال (فرنسا) فوصل بوردو وضواحيها عام 732م وهزم دوق آكيتين وتقدم نحو تور وپواتييه حيث دارت معركة بلاط الشهداء التي أوقفت تقدم الفتوحات في بلاد الغال· وقد سبق الغافقي في امتداد الفتوحات في بلاد الغال السَّمح بن مالك الخولاني الذي استشهد في حصار تولوز ثم أعقبه في حملات الفتح عنبسة بن سحيم الكلابي الذي استولى على كاركاسون ونيم وبعث ما جمع من أسرى الفرنجة إلى برشلونة التي كانت آنذاك تحت حكم المسلمين، ثم دخل بعدها إلى إقليم بورگونّ وعلى الرغم من هزيمة المسلمين في پواتييه لم تتوقف حركة الفتوحات في بلاد الغال، إذ بقيت في أيدي المسلمين أراضٍ واسعة في منطقة پروفنس، ثم جاء دور والي الأندلس الجديد عقبة بن الحجاج السلولي الذي قاد حملة فاستولى على فالنس وفيين وليون، واستمرت الفتوحات حتى عام 758م عندما انحسر التقدم العربي الأندلسي إلى ما وراء جبال الپيرانيس
 
السؤال الذي ينهض أمام الباحث هو كم من أسرى العرب استقر في بلاد الفرنجة بعد هذه الفتوحات؟ ويهمّنا في هذا الصدد منطقة پروفنس التي ظهر فيها أول نوع من الشعر الغنائي بلغة أورپية عامية غير لاتينية تماماً· وكم من الأسرى الفرنجة استقر في برشلونة التي بقيت في أيدي المسلمين حوالي ثلاثة قرون؟ كانت فتوحات الأندلس حروب كرّ وفرّ،   ومثل جميع الحروب في العالم هنالك أسرى من الطرفين مثلما هنالك قتلى من الطرفين· والعرب أهل شعر، يستوي في ذلك طارق ابن زياد البربري المستعرب، الذي تنسب إليه ثلاثة أبيات من الشعر العربي الفصيح، كما يستوي في حالة عبد الرحمن الداخل، حفيد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، ولو أنه ابن جارية بربرية من قبيلة نفزة (6) وثمة حقيقة بديهية أخرى شديدة الوضوح بحيث نسيها أو تناساها أغلب الباحثين في أوضاع الأندلس وظروف مجتمعها الجديد· ذلك أن الفاتحين المسلمين، من عرب  وبربر، دخلوا الأندلس بدون زوجات، فتزوجوا من الأندلسيات بعد إسلامهن، أو حتى بعد بقائهن على النصرانية في كثير من الأحوال· وكان من الطبيعي أن يتكلم الأبناءُ من هذه الزيجات اللغة العربية مع الأب واللغة اللطينية كما يدعوها العرب والمستعربون، مع الأم· كانت هذه الثنائية اللغوية عند الأجيال الأولى وما بعدها من أهم عوامل التأثّر والتأثير الحضاري- الثقافي· وقد ظهرت آثارها في السفارات والعلاقات التجارية، وفي تأثير الشعر العربي الأندلسي في نشوء وتطوّر شعر جديد في ذلك العالم الجديد البديع، بعبارة شكسپير، يسهّل تطوّره ويسرّع فيه عندما يكون الشاعر الأندلسي ناطقاً بالعربية وبالرومانث معاً· كم من الأسرى العرب كان ينظم الشعر وينشده على مسامع آسريه من اللّطين ويفسّره لهم بلغة الرومانث التي أتقنها فيفهمونها؟
 
وفي أوقات السلم كذلك، على ندرتها في التاريخ الأندلسي، نجد الثنائية اللغوية معيناً على توطيد العلاقات بين الإمارات الأندلسية والممالك المسيحية· فقد تكاثر السفراء على قرطبة في عهد الخلافة بشكل خاص· ففي عهد الخليفة الأول عبد الرحمن الناصر لدين الله (300-350هـ /912-961م) كانت الممالك المسيحية في الشمال تشكل خطراً على الإمارات الأندلسية، مثل مملكة ليون ونافار لكن فترة من السلم الهشّ ظهرت بين قرطبة ومملكة نافار بعد وفاة ملكها سانچو الأول الذي خلفه ابنه الصغير گارثيا الأول وكان تحت وصاية أمّه تودا التي حملته مع حفيدها سانچو المعروف بالبدين el carso إلى قرطبة عام 958 من أجل عقد الصلح مع قرطبة، وعلاج الأمير البدين من مرضه؛ وقد تم ذلك بتوجيه من الخليفة الناصر· لاشك أن عقد المفاوضات للصلح وإجراءات علاج الأمير البدين ما كانت لتتم بسهولة من دون وجود الثنائية اللغوية والحكمة السياسية لدى الخليفة الناصر وصحبه من ذلك الجيل من الأندلسيين· ومن السفارات العديدة التي تقاطرت على بلاط الناصر سفارة من الإمپراطور البيزنطي قسطنطين عام 949م حيث حمل السفير معه فيها نسخة من كتاب ديوسكوريديس في الأعشاب الطبية، أمر الناصر بترجمته إلى العربية·
 
وفي عهد الحجابة العامرية، تزايدت أعداد الأسرى والسبايا من الفرنجة الذين حلّوا في الديار الإسلامية وزادوا من عملية الاختلاط السكاني وثنائية اللغة· فقد قاد المنصور بن أبي عامر (977-1002م) اثنتين وخمسين غزوة على دول إسپانيا المسيحية الثلاث: نافار وليون وقشتالة، وكان يعود من كل غزوة بآلاف من الأسرى والسبايا (7)· أين كانت تذهب هذه الألوف من الفرنجة والمسيحيين، ومع من كانوا يختلطون، وأية لغة كانوا يتكلمون أو يتعلمون؟ هذه الأوضاع جميعاً جعلت من المحيط الأندلسي على امتداد ثمانية قرون بوتقة انصهرت فيها شعوب مختلفة في أعراقها ودياناتها، حتى غدت عملية التأثر والتأثير الحضاري- الثقافي من الممكن تبيُّنُها بملاحقة جذور الظاهرة عند بروزها في اللغة أو الشعر· ومن طريف العلاقات بين الممالك المسيحية والإمارات الأندلسية أن بعض الحروب كانت تنتهي بمعاهدة سلام، وكان هذا السلام يختم بمصاهرة! ففي عام 992م انعقد الصلح مع مملكة نافار التي كان ملكها سانچو قد أهدى ابنته إلى المنصور، الذي أعتقها وتزوّج منها بعد إسلامها، فأنجبت له ولده عبد الرحمن الذي لُقّب سَنچويلو وهو تصغير سانچو وفي عام 993 أهدى ملك ليون أيضاً ابنته تيريسا إلى المنصور، الذي أعتقها  وتزوجها· هكذا كان عربون الصلح بين الدولتين! فهل بعد هذا اختلاط؟(8)
 
إلى جانب هذه الأمثلة من الاختلاط بين مسلمي الأندلس وشعوب الممالك المسيحية، على امتداد القرون الثمانية، في ظروف الحرب والسلم،  والتجارة والدبلوماسية، كان ثمة تواصل دائم بين إقليم قطالونيا في أقصى الشمال الشرقي من شبه الجزيرة، وفيها برشلونة التي بقيت بيد المسلمين حوالي ثلاثة قرون، كما أسلفنا، وبين لانگدوك وپروفنس في الجنوب الغربي من فرنسا(9)· وهي مما شملته الفتوحات الإسلامية، وهذه هي منابت الشعراء التروبادور في القرن الثاني عشر·

الصفحات