"في البال" للكاتبة الأردنية غصون رحال؛ تتناول فيها العدوان الصهيوني على غزة من منظور أدبي؛ ففي أسلوب سردي مشوق، تضع الأدبية كل خبراتها المعرفية والجمالية والإبداعية للكشف عن مسيرة طويلة من محطات الصراع العربي الإسرائيلي، من خلال إستعراض تفاصيل الحياة اليومي
أنت هنا
قراءة كتاب في البال
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 6
لم تعنني أسباب حضورها بقدر ما أسعدني وجود امرأة من هناك في بيتنا· عندما علمت بوصولها ذهبت لزيارة والديّ، وكانت قبل وصولي قد تعرّفت على أمي وأبي وأخي وائل وزوجته وأطفاله الثلاثة·
قلت معرفاً بنفسي: أنا سعيد·
ضحكت وقالت: وأنا أيضا سعيدة!
شاغبتها: اسمي سعيد!
تدخل وائل مصحّحاً: لا تصدّقيه، اسمه وليد وليس سعيد، لكنه يظن أن دمه خفيف·
أجبته معترضاً: كنت سأخبرها بنفسي، لكنك تصرّ على أن تحشر نفسك دائماً·
قطعت علينا مناكفتنا: أهلاً وليد· ثم سألت: ماذا عن الباقين؟
أجاب وائل على الفور: عماد يقيم في أمريكا مع عائلته، أما لميس فما زالت تقيم في الكويت مع زوجها وأولادها·
تفحصتها بنظرات خفيّة، جمال عادي لا يثير انتباه النظرة الأولى، لكنه يحفز ّ على المزيد من التفحص الدقيق·عينان صغيرتان ثائرتان، شعر كستنائي مشاكس، لا هو أملس تماماً ولا متموّج بالكامل، شفتان رقيقتان، قوام متناسق· تتحدث مصوّبة النظر إلى عينيّ محدّثها كأنها قنّاص محترف· أعترف أنه لم يكن بوسعي أن أرد لها نظراتها بمثلها· أحيد بنظري عن مواجهة عينيها خوفاً من سهم كيوبيد الطائش الذي طالما تجنّبته· متحدّثة بارعة· تبادر بالسؤال وفتح مواضيع جديدة كلما هدأ الكلام ومال إلى الصمت· تعرف كيف تشدّ محدّثها وتبقيه تحت سحر كلماتها بعكسي تماماً· أنا بطبيعتي ميّال إلى الصمت، أفضّل الاستماع أكثر من الحديث· أتكلّم بنبرة خفيضة يتذمر منها الآخرون· مجامل إلى الحد الذي يجعل من حولي يتّهمني بكبت مشاعري الحقيقية والتخفي وراء الكليشيهات الجاهزة·
استضافها والداي لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في بيتهما، فأمضت يوم السبت في مساعدة أمي في أعمالها المنزلية وإعداد الطعام، والتعرف على أزهار الحديقة التي قدمتها لها أمي بشرح مستفيض وهي تتحسس أوراقها بحنان غامر، وفي عقد صداقة سريعة مع والدي· في المساء، وأثناء ما كانت أمي تجهّز لها مكاناً للمبيت، اعتذرت لها عن ضيق البيت قائلة: أتصدقين أنني لم أتعود على هذا البيت الصغير رغم كل هذه الأعوام؟ كم أشعر بالحرج كلما استضفنا أحداً·
تنهدت أمي بحسرة وأضافت: كان بيتنا واسعاً في الكويت· والله تخلّيت عن كل شيء، حملت معي ما استطعت شحنه في الطائرة فقط· عمك أبو عماد اضطر إلى بيع الأثاث بسعر التراب·
شدّها الفضول لمعرفة أصل الحكاية فسألت: خالتي أم عماد، هل يزعجك أن تحكي لي عمًا حدث أثناء الحرب بالتفصيل؟
هزت أمي رأسها نافية، تركت الوسادة من يدها وجلست على الصوفا، سحبتها من يدها وأجلستها إلى جوارها وتساءلت من أين تبدأ· زفرت بحرقة وقالت: والله، لا أعرف كيف أحكي عن تلك الأيام! كانت أياما سوداً··· ذات صباح وجدنا أنفسنا مشتّتين في بقاع الأرض· عماد وزوجته، بحكم أنهما مضيفان، كانا في رحلة إلى أمريكا بينما ظل طفلهما الذي لا يتجاوز السنتين في عهدتي·
تمهلت قليلاً قبل أن تتابع: حتى إننا لم نعرف عن الحرب إلا عندما اتصل عماد في الصباح الباكر· سأل عن أبيه، فأخبرته أنه ذهب إلى عمله في قصر الأمير، فصرخ بي مستغرباً: أي أمير ماما؟! لم يبق في الكويت أمراء··· لقد فروا جميعا· كان يتكلم بسرعة كبيرة خوفاً من انقطاع الاتصال· شرح لي حالهما في أمريكا: ماما، الخطوط الجوية الكويتية أوقفت جميع رحلاتها إلى الكويت، نحن عالقان هنا في نيويورك، ديري بالك على قيس، لا أعرف إن كنت ونجوى سنتمكن من العودة إلى الكويت مرة أخرى، يقولون لنا في مكتب الشركة إن على جميع المضيفين والمضيفات الانتظار إلى أن تصل التعليمات من مكتب الشركة الرئيسي في الكويت···
عدّلت أمي من جلستها وأكملت: ولم ألتق بهما إلا بعد أن تمكنت من الخروج من الكويت قبل القصف الأمريكي على العراق بأيام ومعي الطفل، فحضرا إلى هنا لاستقبال طفلهما· أما وليد فكان في قبرص· انقطعت بيننا الاتصالات ولم نعد نعرف عنه شيئاً·
سألت: وماذا عن وائل ولميس؟
أجابت أمي: لميس ووائل كانا يعملان في شركة WG Towel في الكويت· هل تصدقين أن لميس وزوجها هما اللذان أنقذا أوراق الشركة ومستنداتها من عبث الجيش العراقي بعد أن فرّ صاحب الشركة؟
شنّفت آذانها مستفسرة: كيف؟
تابعت أمي: كانت لميس السكرتيرة التنفيذية لمدير الشركة وتعرف أسرار شركته كافة ومكان حفظ المستندات الخاصة بها· اتصل بها الشيخ صاحب الشركة عبر السفارة الأمريكية وطلب منها أن تخفي مستندات تسجيل الشركة في مكان آمن، فخاطرت وزوجها بنقل المستندات من مقرّ الشركة وإخفائها في شقة هجرها أصحابها وفرّوا إلى بلدهم·


