"في البال" للكاتبة الأردنية غصون رحال؛ تتناول فيها العدوان الصهيوني على غزة من منظور أدبي؛ ففي أسلوب سردي مشوق، تضع الأدبية كل خبراتها المعرفية والجمالية والإبداعية للكشف عن مسيرة طويلة من محطات الصراع العربي الإسرائيلي، من خلال إستعراض تفاصيل الحياة اليومي
أنت هنا
قراءة كتاب في البال
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 9
أبي بأعوامه التي قاربت على الثمانين، وشعره الذي ابيضّ بالكامل رغم أنه ما زال غزيراً، يصرّ على قيادة سيارته الصغيرة لقضاء مشاويره التي يراها ضرورية· لم يستطع نسيان مهنته السابقة· تقدم بطلب الحصول على إجازة لقيادة السيارة رغم أن مقود السيارة على اليمين ومسار الطرق على اليسار بعكس ما اعتاد عليه في الكويت· اجتاز الفحص النظري شفاهة، لأنه لا يحسن قراءة اللغة الانجليزية وكتابتها، ورافقه أخي وائل أثناء الفحص العملي متوليّا مهمة الترجمة بينه وبين مسؤول الفحص· يومها خبأ الصورة التي تجمعه بالملكة اليزابيث أثناء زيارة لها إلى الكويت في جيب سترته· لم يكشفها لمسؤول الفحص إلا بعد أن اجتاز امتحان القيادة بنجاح· تفاجأ الرجل بها، واستغرب كتمانه لها قبل الفحص· أراد أبي من خلال تلك الصورة، التلميح ضمناً إلى مهاراته الفائقة في القيادة، التقط مسؤول الفحص تلميحه بسرعة، وحرّر له رخصة القيادة على الفور·
يتمتع أبي بحنكة أحسده عليها، أحيانا تشعرني بعض تصرفاته بالحرج، إلا أنني سرعان ما أكتشف أن للرجل خبرة في الحياة تستعصي على أمثالي· ورغم أنه لم يتعلم من اللغة الإنجليزية إلا النزر اليسير في مدرسة لتعليم الكبار، إلا أنه يدأب على زيارة السوق الشعبي الذي يقام يوم الأحد من كل أسبوع market Sunday لعقد صفقات بسيطة· يقود سيارته التي أصبحت تحمل إشارة ذوي الاحتياجات الخاصة رغم تحذيرات أمي، ويذهب إلى السوق ليدور به دورة أو دورتين مستنداً على عكّازه الخشبي·
يفاصل الباعة: How much?
وعندما لا يعجبه السعر، وغالباً ما يكون السعر غير مناسب له، يبادر إلى الاعتراض: No. No. Very much!
وحين يصرّ البائع على السعر، يتركه ويمضي قائلاً: I do not want
فيرضخ البائع لإرادته ويبيعه السلعة بالثمن الذي أراده· كثيراً ما كان يعود حاملاً سلعاً قيّمة بأبخس الأثمان، حتى تكدست حاجياته في الكوخ الصغير الذي في طرف الحديقة، فقام بإدخال بعض منها إلى البيت أمام اعتراضات أمي وتذمرها من ضيق المكان· أبي يبتاع كل شيء تقريباً، من مفكّات ومسامير وبراغي، وقطع السجاد، والتحف الصغيرة والمزهريات التي بلغ عددها ما يقارب العشرين، إلى أدوات المطبخ والكهربائيات··· وربما كانت جولاته تلك، وما يتبعها من مقتنيات عشوائية غير مترابطة، وسيلة من وسائل تعبيره عن الرفض، أو انعدام الأمان الذي لا يدركه أحد سواه·
وحين يغضب، أو يضيق ذرعاً بأرجاء البيت، يزمجر ناقماً: أنا عائد إلى يافا·
يقود سيارته إلى قرية قريبة أطلق عليها اسم يافا، لأنه يرى أن طبيعتها تشبه مدينة يافا باستثناء البحر· ينتبذ هناك مقهى صغيراً لساعات، والله وحده يعلم ما يدور بخلده من هواجس·
في صبيحة يوم الأحد، هاتفتُ والدتي لأستفسر إن كان هناك ما ينقصها من حاجيات، فطلبت منى أن أحضر خبزا طازجا وأسرع لتناول وجبة الفطور معهم· أخذت حمامي الصباحي، حلقت ذقني، ارتديت ثيابي، ورششت قليلاً من العطر فوق وجهي قبل أن أستقل سيارتي إلى أقرب دكان، تناولت الخبز واتجهت إلى بيت والدي· كانت أمي قد أعدّت إفطاراً حافلاً، أشهى ما فيه الزيت والزعتر، قطع الجبنة النابلسية البيضاء، والشاي المفعم بنكهة الميرمية الطازجة·
بعد أن أنهينا أكواب الشاي، لم أقوَ على المغادرة وتركها تمضي يوماً آخر برفقة عجوزين، فهمست لها أن تستعد للخروج· وكأنها قرأت ما يدور داخل رأسي، سارعت إلى وضع سترة خفيفة فوق كتفيها، مشت بضع خطوات باتجاه حذائها، فلاحظت عرجاً خفيفاً في مشيتها، ما إن ارتدت حذاءها حتى تلاشى· دققت النظر في حذائها، فكان نعل الفردة اليمنى أغلظ قليلاً من الفردة اليسرى· حملت حقيبة يدها الصغيرة، ووقفت عند الباب معلنة استعدادها للخروج·
نقيم على أطراف مدينة لندن، في الجهة الغربية منها، حيث تكثر أحياء الأقليات العرقية من مختلف الشعوب التي هجرت أوطانها هرباً من حرب ما، أو خوفاً من طاغية ما· توجهنا إلى أقرب محطة أنفاق، ابتعت تذكرتين من تلك التي يمكن استعمالها على مدار اليوم· صعدنا إلى القطار ولم نجد مقعداً فارغاً، فوقفنا مستندين إلى العمدان الحديدية التي تتوسط عربة القطار، وتعلقنا بالحلقات الجلدية المثبتة في السقــف تفاديـــاً للاهتـــزارات العنيفـــة· عنـــد محطة Westminster غادرنا القطار، وصعدنا الدرجات المؤدية إلى الشارع، فطالعنا مبنى البرلمان وساعة Big Ben بعقاربها العملاقة·
تسكعنا قليلاً في ذلك الشارع المكتظ بالمشاة والسائحين من دون أن نتبادل كلمة واحدة حتى وصلنا إلى جسر البرلمان· توقفت وتدلّت بجذعها على حافة الجسر الإسمنتية، ونظرت طويلاً إلى مياه نهر التايمز الرمادية العكرة، وكأنها تفتّش عن لونه الحقيقي، وحين عجزت عن تمييزه، التقطت صورة للنهر، وأخرى لمبنى البرلمان والساعة الضخمة ثم أكملت سيرها· عبرنا النهر إلى الجهة المقابلة حيث تقف London Eye تسمّرت أمامها مثل طفلة صغيرة تحلم بالطيران· فردت ذراعيها وحركتهما كأنهما جناحان وسألتني ضاحكة: أترغب بالتحليق معي؟
قلت: لم لا؟
توجهنا إلى شباك التذاكر، اشترينا بطاقتين ووقفنا ننتظر دورنا في الصعود· وحين ارتفعت بنا العربة الزجاجية إلى السماء، التصقنا بواجهة الكبسولة الزجاجية الواسعة، مشفقين على تلك المدينة العريقة وهي تتضاءل تحتنا بنهرها ومبانيها القديمة، وشوارعها وسياراتها، وأشجارها، بينما الضباب يلفّنا بعباءته الرمادية الثقيلة·


