أنت هنا

قراءة كتاب نافذة العنكبوت

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
نافذة العنكبوت

نافذة العنكبوت

المجموعة القصصية "نافذة العنكبوت" الطبعة الأولى الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسالت والنشر عام 2000، للمؤلف العراقى شاكر نوري،  تتناول المجموعة الحرب على العراق وتأثيراتها الممتدة سلبا حتى الآن على الشعب العراقى، ولكن بأسلوب حرص فيه الكاتب على الابتعاد عما

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 2
2
 
فتح جفونه اللزجة ، الناعسة ، وأحس بأن الصحراء برمالها المتّقدة، الحارة ، الحارقة ، إنتقلت الى رأسه وإستقرت جمراتها المستعرة ، اللاهبة ، في ذلك المكان المضطرب ، رأسه ، فأسرع وتناول جرعة من الماء ، ثم طاف في غرفته باحثاً عن إجازته العسكرية التي لم يبق لانتهائها سوى اسبوع واحد يحتم عليه الالتحاق بثكنته ، أراد أن يتأكد من تاريخ انتهائها فقط · ثم مد يده الأخرى يفرك عينيه من حبيبات الرمل الوهمية بين جفنيه ، وهو يلهث كما لو كان يهرب من بدو متوحشين يطاردونه بسيوفهم ، وطائرات عملاقة ترشه بالصواريخ، ثم نظر الى النافذة حيث تركت آثار بصمات اجنحة الصقور بقع دماء حمراء لاصقة ببقايا الزجاج المهشم · ولأول مرة بدأ يشك ببصره ، وتساءل في سره أما أن يكون الكابوس حقيقياً أو أن غرفته إنتقلت الى الصحراء وانغرست أعمدة سريره في رمال متحركة · وحين فرك عينيه جيداً وأزاح طبقة البياض المترسبة بين جفونه ، توضح له شكل الوشاح الأحمر الذي القته زوجته على كرسي بجوار النافذة قبل ساعات استعداداً لتكملة نزع ثيابها لأداء الواجب الزوجي إذ نظر بدهشة الى جسدها ، ولم يتخيله بهذه النضارة والجمال ، وتحسّر كيف أمضى نصف حياته بعيداً عن هذا الجسد الأنثوي ، رجل عاش برئة واحدة أو بدين وثني أو بعزلة متوحشة فأخفض رأسه الى السرير خجلاً من زوجته التي كانت غريبة عليه قبل قليل ، كاشفاً لها عن عورته دون أن يفلح بفض بكارتها الآن ، شرود ذهني لايسمح له بجمع قواه ، وتركيزها في بوتقة واحدة · تلمس قضيبه العاري المتدلي ، وقد التفت غضاريفه الجلدية الفالتة مع الشرشف الناصع البياض ، ثم جال بنظره في تلك البقعة الممتدة تحته كسجادة من القطن ، باحثاً عن نقطة الدم الحمراء التي من شأنها ان تثبت رجولته وترفع رأسه عالياً بين أمه وزوجته وجيرانه وابناء قبيلته · ليس هذا عرسه بل عرس قبيلته التي تفككت فروعها ، وذبلت أغصانها في انصهار الاجناس والاعراق ، وتشردها في أتون حربين متواليتين ، ثم اجتماعها الآن بعد أن توزعت على فرق متقاتلة ومتصارعة فيما بينها · حمدنا الله أن عرس أخي جمع الأخوة الأعداء في هرج ومرج · لكنه في هذه اللحظة المحيرة لم يفكر بهذه الترهات بقدر مايفكر بخجله المنساب على شكل قطرات عرق مالحة ، رجولته المهدورة أمام عيني زوجته · هكذا اختفت نقطة الرجولة الحمراء في كومة الشراشف البيضاء المبعثرة مثل قطعة ظفر صغيرة ، مقطوعة ، ضائعة ، وراح يفتش عن تلك النقطة التي لايعادلها سوى قطرة خجل متخثرة بين ثنايا جسده ، ذلك الإثم الأزلي ، لكن زوجته لم تكن تعرف عمّا كان يبحث ، فنظرت الى خاتمه ، فرأته يلتمع ضاغطاً ، ملتوياً على عروق إصبعه الزرقاء ، وتساءلت :
 
- إذاً إنه لايبحث عن خاتمه ،عمّا كان يبحث ياترى ؟
 
لم تفهم شيئاً · وحين أخرج رأسه الذي دسّه في تجاعيد الشراشف، لم يعثر الاّ عل بقعة مبللة ، قطرة بول ، لا أكثر ولا أقل ، نزلت دون ارادته اثناء ماكان يدفع بكوابيسه الليلية خارج رأسه · ثم حدّق جيداً في النافذة التي سرعان ما تراجعت ، وهربت ، بعيداً عنه ، بسرعة فائقة في نفق مظلم داكن حيث زمْجَرَ قطار الليل ، المعبأ بالرجال والأطعمة والأعتدة العسكرية ، وهو يقتحم النفق الحجري الطويل الذي غَلّف روحه بغطاء قاتم دقائق معدودة ·
 
تذكر ساعة إبتهاجه لرحلته بالقطار بصحبة أمي لتخطب له شيرين·· دخان ممزوج برائحة جثث متروكة، متعفنة، معظمها جثث حيوانات برية، خائفة، هربت من حرارة قصف القنابل ووجدت مصيرها بين قضبان السكك الحديدية تحت رحمة عجلات القطار، وهي تبحث عن آخر فرصة لتوفير طعامها أثناء أيام الحصار، هذه الأيام التي عبقت برائحة غريبة، طعم مرارة، عالقة في جوف حلقه· هكذا·· قدر هبط على الرؤوس، قبل أن تحّل هذه الأيام، لم يكن للأشياء طعم أو مذاق: لحوم مجفّفة، رّز، طحين، غلال مغلفة بورق السلفون، كلها تأتي جاهزة على ظهور الطائرات والبواخر والشاحنات، عند المزارعين الذين أهملوا الأرض يوم سقطت الاشتراكية على رؤوسهم مثل أطباق طائرة غريبة· بعد أن عاد من شروده الذهني لم يجد شيرين بجواره على سريرهما المشترك، حرّك بصره في أرجاء الغرفة، سرعان ما رآها تنهمك بتعليق الشراشف البيضاء أمام النافذة، لتتبخر بقعة البول في أدراج الرياح· بعد ذلك عادت الى الغرفة بإلتماع شعرها الأصفر، المطلي بالزيت، تحت ضوء المصباح الخافت في أعلى طاولة زينتها ليل نهار، تألق ذهبي أصفر مائل نحو الاحمرار نوعاً ما، ينبعث من شعرها المصبوغ باللون الأصفر، بعض خصلاته بدت أكثر إصفراراً من الخصلات الأخرى، نوع من تدّرج الألوان، العابث، غير المقصود، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن نوعية الصبغ الرخيص الذي كان يضطرها الى أن تعيد صبغه كلما بهّت بريقه، قبل أن يخرج الشعر الأسود ويستولي كنباتات وحشية ضارة ويقضي على بقايا اللون الأصفر·
 
فتح عبد الرحمن فمه، فتدلت شفته السفلى، اللماعة بالبصّاق، منذهلاً لهذا اللون الأصفر الذي لم ير مثيلاً له الاّ في صور ممثلات السينما، لكن وجهها الأسمر، المليء بالبثور، لم يكن يتلاءم مع اللون الأصفر بل يشكل مفارقة محزنة في لعبة إنسجام الألوان، غبار ذهبي يطلي شعرها المصفّف بإعتناء، حتى يخيّل لمن يراها في تلك اللحظة بأنها لم تحرّك رأسها على الوسادة طيلة الليلة الماضية، خوفاً من تبعثره، غطتّه بخرقة تشبه شباك الصيادين، المخاطة بمربعات متقاطعة، من أجل الحفاظ على إنتظامه· ولم تكن كل إضطرابات رأسه وكوابيسه التي تجهلها، قادرة على بعثرة أو تحريك خصلة واحدة من خصلاته، المتحّدة ببعضها كأنها لصّقت بصمغ كثيف وأصبحت قطعة واحدة، كتلة شعر متراصة لا تتململ، حتى لو حرّكت رأسها بقوة· وربما أمي التي حرصت على ضبط تفاصيل ليلة العرس، بدقة متناهية، أوحت لها بكل هذا النظام الصارم، في أبسط التفاصيل، دقة ديكورات غرف العرس التي لم يجرؤ أحد على لمسها أو تغيير أمكنتها، حتى أعمدة السرير ما زالت مغطاة بورق المصانع الشفاف وكأنه معروض للبيع وليس مهيأً لليلة العرس· وتألقت المفاتيح النحاسية الصقيلة في مغالق خزانة الثياب وطاولة الزينة والصناديق الأخرى· ولم تمتد يدي أمي لإزالة الورق الشفاف، اللاصق بالمرآة المدّورة، لغرض الحفاظ على نضارتها أعواماً طويلة، لكنها بدت كمرآة قديمة تعّرضت لأشعة الشمس أو من كثرة التحديق فيها لمدة من الزمن· وحرصت أمي على تلبيس المذياع الخشبي الكبير ثوباً مطرزاً من قماش القديفة السميك، مرسومة عليه يد كبيرة، تتوسطها عين مفتوحة لصّد نظرات الحاسدين والمتطفلين، وزيادة في طقوسها أركنت فوقه صندوقا مليئاً بالأحجية الملفوفة بالورق والقماش والجلد·· فيما وضعت كتاب القرآن الضخم، المذّهب، والمكسّو بالحرير الأخضر على رّف خشبي شاهق إغراقاً في السّمو والتقدير·

الصفحات