المجموعة القصصية "نافذة العنكبوت" الطبعة الأولى الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسالت والنشر عام 2000، للمؤلف العراقى شاكر نوري، تتناول المجموعة الحرب على العراق وتأثيراتها الممتدة سلبا حتى الآن على الشعب العراقى، ولكن بأسلوب حرص فيه الكاتب على الابتعاد عما
أنت هنا
قراءة كتاب نافذة العنكبوت
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 4
3
في إطلالة أول صباح، بعد هذا التاريخ المدّون، ليلة العرس، هرعت أمي، وبقايا نوم عالق في عينيها، تحمل بيديها مبخّرة فضيّة، إقتحمت غرفتيهما، دون أن تطرق الباب، ودلفت الى السرير مباشرة، وقرّبت المبخرة اللاهبة، بأحجار الفحم، الى أنفه حيث إلتهم، دون إرادته، كل الدخان الخارچ على شكل دوائر رمادية حتى إنتفخ منخراه، وعندما لاحظت تعبه الواهن، رشقت وجهه بماء بارد، نثرته من أطراف أصابعها بعد أن غرفته من الطاسة الصغيرة، وحين لم يفق من غيبوبته، أخذت جرعة كبيرة ونثرته من فمها، في صفحة وجهه، على شكل تيار مائي جارف، فأفاق صارخاً:
- شيرين·· شيرين!
ألقتها أمي بنظرة غاضبة عندما رأتها ما تزال منهمكة بتقشير أظفارها من الأصباغ، دون أن تعبأ بأبنها الذي حشر جسده الضئيل في حجرها مذعوراً، وهو يصحح كلمات صرخته:
- أمي·· أمي!
وسارعت أمي بتمتمة آيات قرآنية ناقصة، ومغلوطة، ثم لملمت أذيال وشاحها المبعثر ودخان مبخرتها وغادرت الغرفة بارتباك، تهّز رأسها، بنوع من فهم الليلة الأولى لعريسين عذراوين، وتبعت شيرين خطواتها، ينضح منها عرق الخجل، الممزوج بالعطر الفرنسي الرخيص ريف دور، باعثاً رائحة زنخة إثر إختلاطها بدخان المبخرة، كأنه رائحة عرق حيوان برّي مذعور، فيما خرج عبد الرحمن الى صحن المنزل، يتأمل ظله الواهن على الجدران البيض، التي حمته من الآخرين سنوات طويلة، وسرعان ما أدرك ان هذه الليلة إنفجرت مثل فقاعة صابون هشّة، ولم يبق منها سوى رذاذ بليد ذاب على وجهه، مكتشفاً الدرس الأول·
هكذا وجد نفسه وحيداً، ولأول مرّة، في مواجهة ظلام هذه الليلة، وربما الليالي المقبلة، بين جدران أربع وسقف شاهق، وكأنه قائد مهزوم يقف أمام جيشه المنكسّر، متبجحاً بكلمات الانتصار المجّوفة التي يعرف بنفسه حقيقتها أكثر من الآخرين· وبعد أن أفرغ ما إنحصر في أحشائه من بول أصفر خائف، عاد الى غرفته بعد أن هام بعينيه على الغرف الأخرى، مبصراً أعمدة بخار تتصاعد من نافذة غرفة أمي المجاورة، لكن الشاي الساخن فقد مذاقه منذ هذا الصباح، وتحول الى طعم الصدأ في باطن حلقه· ثم نظر الى الأثاث الجديد الجامد وسط الغرفة، فأكتشف بلادة الأشياء الرخيصة الصنع، وهشاشتها المخيفة، تحت البريق اللّماع، وما زالت الشراشف البيضاء، ناصعة، مكوية بأعتناء، كما لو أن جسدين ميتتين أمضتا ليلتهما الأخيرة على ذلك السرير· وبدت قلائد زوجته وحليها وأساورها وخواتمها الذهبية، مصفّفة بأنتظام على طاولة الزينة دون أن تتبعثر على أرضية الغرفة وزواياها كما كان يتخيلها في لحظة هياج الليلة الأولى· وهكذا بدا له كل شيء باعثاً على نظام دقيق الا دواخله التي تعّج بفوضى عارمة· نظر الى المرآة، دون أن يتقصّد ذلك، فانعكس وجهه الممتقع بتقاطيعه، الهزيلة، المنهارة، فتجرأ وتلمس البثور الحمراء التي إنتشرت على وجهه منذ الليلة الماضية، وحاول أن ينزع قشورها، فوجدها ممتلئة بالقيح الأبيض، ظلّ مسمراً في مكانه لا يصّدق المرآة، وكأنه ينظر الى وجه رجل غريب، تصّلب داخل ثيابه البيضاء الجديدة، وهو يفكر بالعبارة الخبيثة، الفظّة، التي نطقت بها زوجته في الليلة الفائتة:


