أنت هنا

قراءة كتاب نافذة العنكبوت

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
نافذة العنكبوت

نافذة العنكبوت

المجموعة القصصية "نافذة العنكبوت" الطبعة الأولى الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسالت والنشر عام 2000، للمؤلف العراقى شاكر نوري،  تتناول المجموعة الحرب على العراق وتأثيراتها الممتدة سلبا حتى الآن على الشعب العراقى، ولكن بأسلوب حرص فيه الكاتب على الابتعاد عما

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 5
- أنت···
 
لم يكن يرغب في أن يتذكر بقية الكلام الجارح إحتراما لنفسه ولأمه، وفكر في أن يصفعها بكف يشّل عروق وجهها، لكنه سيطر على حماسته المندفعة، عندما تذكر مسؤوليته الرجولية في ليلة العرس، وتسآءل في حيرة:
 
- أينفذ رغبته في صفّعها أم يتراجع؟!
 
ثم تردّدت على أذنه لائحة النصائح وتلقينات الرجال المتمرسين في الزواج: يجب أن تهان المرأة في الليلة الأولى! ثم سخر من هذه الترهات الشعبية واعتبرها إحدى الآفات التي تنخر رؤوس البشر المحيطين به، وذهب الى النافذة، واضعاً أنفه على زجاج النافذة الرطب، طابعاً انفاً من ضباب فمه، وهو يبحث عن نسمة هواء عابرة، وسط هواء فاسد هجم على الغرفة، وربما كان رائحة شواء لحم الخروف، ثم مضى الى خزانة الثياب، يفتش عن شيء يجهله، سرعان ما أدرك عبثية أفعاله التي يحاول عبرها إخفاء شيء جوهري في دواخله:
 
- ما هو يا ترى؟
 
-لا أحد يعلم!
 
إستلقى على أريكة ضائعة في زاوية الغرفة، مفكراً بالوجوه التي يراها عند منتصف النهار، وهي تصهر كل كلمات التهاني القلبية، وتحولها الى لوم ولوعة وخبث وتهكم، لكن أمي المتفائلة على الدوام، إنهمكت بالصلاة له، رافعة يدها الى الأعلى، وطالبة أن تنشق السماء، ويتدلى منها المستحيل! في هذه الأثناء، لم يتحمل عبد الرحمن دعاء أمي الضعيف، المهين، حتى أمام خالق البشر، فهرع الى غرفتها، وانتزع بغضب بندقية أبي الصدئة من الجدار، فتهاوت غيمة غبار مخدّرة وتناثرت على أواني الشاي الموضوعة على الأرضية بحيث إضطرت أمي الى تغطيتها بمنديل، ثم خرج الى صحن المنزل، ووقف منتصباً كحارس قلعة، حاول أن يحّرك زناد البندقية، دون جدوى، اذ جفّ في قنواتها الزيت، ولم ينج من الصدأ الزاحف سوى الأخمص الخشبي· قلص عضلات وجهه أمام الشمس، محاولاً بأصابعه المرتجفة، الضغط على الزناد اليدوي، دون أن تتحرك أقسامها الداخلية، فرفع فوهة البندقية الى بطنه في محاولة لبّقرها على الأقل، وبعد أن فشل في ذلك، وجّه فوهتها صوب الأرض وأتكىء عليها، كشيخ واهن يتكأ على عصا، متخيلاً إنطلاق الرصاصة من مغارة البندقية لتستقر في قلبه، لكن بندقية أبي القديمة خذلته كما خذلته ليلة العرس، وما أن رفع رأسه من الأرض، رآنا نحن الثلاثة، أمي وشيرين وأنا، نقف على عتبة غرفته، ونراقب حركاته، فأجهش بالبكاء، تاركاً بندقية أبي تتهاوى من قبضته على الأرض، وحينئذ هرعنا اليه، وإقتدناه الى غرفته، إعتصرت ملامح وجه أمي حزناً وارتباكاً فيما إرتسمت على وجه شيرين علامات التهكم والسخرية! نادتني أمي بصوت مبحوح، وغمزت لي من عينها اليسرى كأنما أرادت أن تبوح لي بسّر، بعيداً عن مساحة إلتقاط آذان العريسين· سارعت في تتبع خطواتها المتعجلة، الخجولة، أركز نظري على ثوبها الطويل، الاطراف، بأذياله المهترئة على الأرض، حتى دخولها الغرفة· لمحت صورة أبي الشمسية، المطوقة بأطار خشبي غليظ، ومعلقة على لجدار بمسمار بارز· ثم تسلقت كرسيا وأعدت تعليق بندقيته القديمة في مكانها، مثل ديكور يصفي على الغرفة روح أبي·· ومصيره· تذكرت، دون إرادتي، يوم إغتياله المشؤوم، الذي ما زال يلاحقنا بأنفاسه اللاهثة حتى هذه اللحظة، وبينما كنت أنصت الى صوت قاتل أبي وحشرجته الحيوانية، بدأت أمي ترفع صوتها في محاولة منها لجذب إنتباهي عن صورة أبي وبندقيته، وحين أخفضت رأسي نحوها، لسماعها بشكل أفضل، قبلتني على وجهي، وهمست في أذني، بشفتين مرتعشتين، عاجزتين عن ضبط مخارج الكلمات:
 
- إفعل شيئا من أجل أخيك!
 
آنذاك وجدت الفرصة لمعاتبتها:
 
- ولماذا لم تستدعني قبل العرس؟!
 
أجابتني بصوت يشوبه مرارة ولوعة:
 
- العرس لم ينته بعد···

الصفحات