المجموعة القصصية "نافذة العنكبوت" الطبعة الأولى الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسالت والنشر عام 2000، للمؤلف العراقى شاكر نوري، تتناول المجموعة الحرب على العراق وتأثيراتها الممتدة سلبا حتى الآن على الشعب العراقى، ولكن بأسلوب حرص فيه الكاتب على الابتعاد عما
أنت هنا
قراءة كتاب نافذة العنكبوت
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 3
تناهى الى سمعه ضجيج أنثوي في صحن المنزل، ورائحة شواء غيّرت طعم الهواء داخل غرفته، فقد أشعلت أمي مراجل الحمام وزودته بالزيت الأسود، لتسخين جدرانه وأرضيته، فلا بد للعريسين أن يغتسلا في هذا الصباح بعد ليلة العرس، وأحضرت خروفاً، بعد سلخه وتنظيفه، أجلت أكله لهذا اليوم ليترطب لحمه وتنجلي عنه الدماء · أنه العرس لا محال· وبعد أن فاحت رائحة الشواء، المقززة في الصباح الباكر، نهضت شيرين من السرير وتكورت على الكرسي المنتصب قبالة مرآة زينتها، ينبعث منها نحيب مكبوت، دون أن تعبأ بالتواجد الى جواره على السرير، قبل اليقظة النهائية، وما تزال تلقي نظرات الأعجاب على شعرها المصفوف، المتألق بأصفراره، في قلب المرآة، ولم تجد في حركاتها العبثية إلاّ أن تمّد يدها الى المرآة المدوّرة، وتمزق بأظفارها الطويلة الحادة صفحة الورق الشفاف الذي يغطي المرآة مما أحدث شرخاً فيها، لكنها كشفت عن طبقة المرآة الصقيلة، فظهر شعرها أكثر تألقاً واشعاعاً من السابق لدرجة أنها لم تتمكن من اخفاء إبتسامة الأعجاب بالنفس·
نزل عبد الرحمن من سريره، متعثراً بأطراف دشداشته البيضاء، ودقق النظر في المرآة التي أزيح عنها الورق الشفاف، فلاحظ آثار أظفارها العصبّية، المهتاجة، أحدثت شرخاً في المرآة كأنها إشارة خفيّة لأنفصال عالمين متأهبين للصراع القادم، وبعجالة عاد من شرودهوسألها:
- هل رأيتِ الكابوس مثلي؟!
إندهشت شيرين لهذا السؤال الذي خرج من فمه على شكل تمتمات متقطّعة، لم تفهم ماذا كان يقصد في حين تخيّل هو بأن كابوسه إنتقل الى رأسها، متوهما بأن الزوجين يريان ذات الأحلام·· والكوابيس، ما داما ينامان على وسادة واحدة· ثم لعن هذا النوع من الاسرة العالية، ذي الأعمدة الحديدية المزركشة بحلقات صفراء، مصنوع خصيصاً للنواميس البيضاء، المنسوجة من القماش المخملي الهندي الذي تتحول في لحظة من لحظات اللّذة الى هالة بيضاء، لا لكي تمنع دخول الحشرات التائهة، الباحثة عن هاجس تطمين غذائها، الدم البشري فحسب، بل لتكّون عالماً مصغراً يحمي العريسين من الآخرين في أجمل أوقات الألتقاء، خلوة الجسدين· عاد الى مخبئه الدافئ، بعد تلاشي دويّ القطارات الصباحية الهاربة الى جبهات القتال في أقاليم الشمال والجنوب· وفي الواقع لم يكن ذلك الدوّي سوى ثمالة الإيقاع المنتظم للقطارات الليلية، التي ظلت عالقة في رأسه، متذّكراً إياها في هذه اللحظة بالذات· وبحركة متشنجّة، إن لم تكن جنونية، طلب منها الصعود الى السرير وترك شياطين المرآة، التي تعكس الوجوه المكرّرة، وتفرس عميقاً في عينيها نصف المغمضتين، فرآى بقايا أصباغ الطلاء والكحل الأسود، ممتزجة بالدموع، التي إنحصرت داخل الحدقتين، رافضة الخروج، وتساءل في سّره:
- لماذا تبكي شيرين؟!
كان وحده يعرف سّر تلك الدموع المترددة، التي تحمل في مزيجها المالح، حيرة أنثى، وشبق محتشم، يظهر ويختفي، ويفشل في التعبير عن نفسه، وراح هو يبحث عن دموعه المحصورة، التي يطبق عليها بجفنيه، ولا يريدها أن تفضح رجولته· إنها المرّة الأولى التي نام فيها بعيداً عن أحضان أمي، وبالأحرى إستبدلها بامرأة أخرى، جاءت تبحث عن الرجل المختبئ في أعماقه، قريباً من المدفأة النفطية المعطّلة وقت الربيع، تذكر كيف كان ينام مع أمي، مفترشين الأرض، وكان عليه أن ينتظر أعواماً طويلة سرير العرس الذي جلبته أمي من بغداد، على ظهر حافلة، الى هذه البقعة النائية، مدينتنا، إحتفاءً بهذا اليوم، لذا كان عليه أن يتصرف مثل سيد مطلق ذو جاه لهذه الغرفة، فهو الرجل الوحيد هنا، إذا لم نقل الرجل الوحيد على الأرض· ولاح له وجه أمي، التي باركت زواجه بدعاءاتها وصلواتها عند بدء الليلة، لكنه كان يتمنى، كأي طفل نزق، أن تنام معهما على سرير الزوجية لكنه شعر بالخجل من هذا التفكير، فالعريس وحيد، غريق في بحر، يبحث عن قشة الأنقاذ، وسط زبد أبيض طافٍ، عن رعشة بعيدة مختبئة في مكان ما من جسد شيرين، في هذه اللجّة العمياء، اللذة المغلقة على نفسها، ترك مهاوسه قائلاً بلهجة يشوبها إعتذار باطني مرير:
- تعبان هذه الليلة!
وفاضت شفتاه بالخجل، وأضاف:
- سأحاول في الليلة القادمة!
واحتقنت ملامح وجهه، وتقلصّت عضلاته، كأن الدماء جفّت في عروقه، وهو يتذكر لائحة التحذيرات التي تلّقنها، تخوفاً من الليلة الأولى، وتطيّر جميع الرجال، وأشدهم بطشاً وفحولة، من العتبة الأولى، ورنّت في أذنه عصارة من حروف وكلمات تفصح عن جملة بليغة واحدة: الحذار من الليلة الأولى، شيطانة السحر، واغواء الأنثى للذكر، ومدجّنة العتاة، وأمسك بيديها النديتين، المتعرقتين، بفعل الحركات المتشنجّة، التي لا تتوقف، فطأطأت رأسها الى الأرض، وعادت الى طاولة الزينة، وانهمكت بتقشير ظاهر أظفارها المطلية بالصبغ الاحمر، بمقص صغير، مما أزعجته تلك الحركات، فصرخ في وجهها، بكلمات مبهمة، في محاولة لايقافها عن تلك الحركة، ثم مضى كل واحد منهما كأنما يوغلان في ممرات مظلمة، عسيرة، فيما أطبقت الرعشة على لسانيهما، وجعلتهما يتحدثان بأشارات الأصابع، ويغرقان في بحر كلمات عاجزة، لا معنى لهما أزاء الفعل···


