أنت هنا

قراءة كتاب أنا وحّي الأمجاد ومسعودة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
أنا وحّي الأمجاد ومسعودة

أنا وحّي الأمجاد ومسعودة

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 5
محطتي التالية كانت في بغداد.
 
كانت مسعودة قد ارتبطت بعلاقة صداقة بزميل لنا عراقي يعمل أستاذا بجامعة الجزائر ومن ثم تطورت علا قتهما إل حب فخطوبة فزواج. وحين انتهى عقد عمله صحبته في عودته إلى الوطن.
 
وذات مساء إلتقيتها مصادفة ومن حيث لم أتوقع وكان ذلك في مجلس عزاء.
 
ما إن خطوت عتبة البهو الفسيح المكتظ في ذلك البيت حتى وقع نظري على وجه ميزته من بين كل الوجوه.. مسعودة وهي تلتف بعباءة عراقية لايظهر منها غير وجهها الحليبي الهادىء والعينين حالكتي السواد. تهللت وهي تراني وكانت مفاجأة لي ولها. فسحت لي مكاناً ضيقاً إلى جانبها على الأرض المفروشة بالسجاد وهي تشير إلى أن أتقدم. فانحشرتُ إلى جانبها وصرت قطعة من غابة النساء المتشحات بالسواد. جلسنا ملتصقتين نتهامس ونتبادل أخبارنا غير عابئتين بما حولنا حين ران الصمت وكفت النساء عن النحيب واللغو إذ بدأ المقريء مدائحه وهو يعدد مناقب الرسول صلى الله عليه وسلم. وكنا نستمع مع الجمع خاشعين إذ كان صوته مؤثرا تصحبه ضربات الدفوف التي كانت تملأ المكان آتية من إحدى غرف البيت. ثم حدثت إنعطافة إذ توقف ضرب الدفوف وانتقل المقريء من مدح الرسول صلى الله عليه وسلم إلى فيض من الدعاء خصّ به المتوفى وبعد كل دعاء كانت مجموعات النساء المتراصات ومن كل صوب يرددن بعده: "آمين" كنت أصغي وأتابع الجمل والعبارات التي يتفوه بها ومنها ما كانت عباراتها مستقاة من آيات قرآنية من مثلها "اللهم ارحم عبدك (فلان) وخفف عنه آلآم القبر" "اللهم لا تحاسبه حسابا عسيراً بل حاسبه حساباً يسيراً" و "اللهم اجعل عن يمينه ملاكاً وعن يساره ملاكاً" "اللهم اجزه مغفرةً منك وأجراً عظيماً" حتى انتهى إلى قوله: "اللهم أجلسه مع الجالسين على سرر مرصوفة وزوجّه بحورية مطهرة من حواري جناتك". وحين صاحت النسوة بصوت ونفس واحد "آمين" لم أدر إلا وظري يصوب نحو أرملة المتوفى، كانت تجلس مادة ساقيها الثقيلتين المتورمتين، شعثاء تنود مع لحن الكلمات وتضرب على فخديها. ثم إذا برأسي يتوجه نحو مسعودة وبعيّني تنغرزان في وجهها، فوجدتها هي الأخرى تراقبها. وهنا التقت نظراتنا، وياليتها لم تلتق.. فقد ابتسمت مسعودة في وجهي ابتسامة غامضة وابتسمتُ بدوري ثم إذا بها تنكسّ رأسها منزلةً طرف عباءتها من فوق رأسها تغطي به وجهها. كنا نعرف أن المرحوم عمّر حتى وصل التسعين وأنه قضى سنواته الأخيرة مقعداً مشلولاً وفاقداً للنطق. وصارت مسعودة تختضّ من تحت عبائها، من ينتبه إليها يظن أنها كانت تنتحب، أمّا أنا فكنت عزلاء لايحميني غير ردائي الأسود الملتصق بجسدي. لقد أخطأ أبو العلاء المعرّي حين قال في بيته الشهير مفتخراً: "تثاءب زيد إذ تثاءب خالد.. بعدوى فما أعدتني الثؤباء". لأن الضحك تسري عدواه بأشد وأخطر من التثاؤب بخاصة في مثل هذه المواقف المحرجة.. ومن يومذاك عرفت لماذا تلتف النساء بعباءات في مجالس العزاء.
 
حين غادرت المكان دست بيدي مسعودة ورقة صغيرة كتبتها على عجل وفيها رقم هاتفها وهي تقول: "إتصلي سريعا لابد أن نلتقي".

الصفحات