لما وقعت بالعراق النازلة بتداعي الأحلاف من كل صوب تجاهه, وتساقطت أسواره , واحتلت أراضيه وأمصاره ؛ وتسلل تحت جنح الاحتلال أعداءه وحساده ؛ والنزاع من القبائل قصدوا تجاهه ؛ وقعت -جراء تصادم ذلك كله على أرضه- الفتن المدلهمات , والنوازل المستجدات –واحدة إثر أخرى
أنت هنا
قراءة كتاب الفتاوى الشامية في مسائل النازلة العراقية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
التحريض على الجهاد في العراق مرهون باستعداد الناس له
«السؤال : هل الجهاد منسوخ عند طلبة العلم؛ فالمسلمون يقتلون في فلسطين والعراق وفي كل مكان ولم نسمع منكم أي كلمة في هذا الشأن؟ .
الشيخ مشهور حسن ...
الجواب : من قال أنه منسوخ هو كفر لأن الآيات فيه محكمة.
ولكننا نزعم أننا قوم عمليون؛ فالجهاد عندنا ليس مبتذلا ؛ بل نتكلم فيه لما تفتح أبوابه.
ومن أراد أن يعرف عن السلفيين وعن غيرهم ؛ فانظروا المجاهدين في أفغانستان وغيرها وقارنوا كم ذهب من السلفيين , وكم ذهب من غيرهم لتعرفوا من الصادق من الكاذب .
أما أن يصبح الجهاد مصطلحا للدعاية والإعلان فيُهان كما حصل في العراق ؛ حيث البعض يراه مع صدام , وآخرون يرونه ضده .
فعلى العلماء أن لا يتكلموا فيه إلاّ في الأوقات التي يراعون فيها استعداد الناس ؛ وأنهم مؤهلون له كسائر الواجبات، ولذا من بديع ما ذكره شيخ الإسلام في الرد على البكري (2/ 600) قال: "ولما جاء التتار إلى بغداد رأى أهل العلم والمكاشفة من أهل البصيرة ترك الجهاد لأن الناس كانوا يلوذون بقبر أبي عمر ويقولون : يا لائذين بقبر أبي عمر اطرد عنا التتر".
فأقول لإخواننا في العراق : أنتم الآن في فرصة لتعلموا الناس دينهم وتوحيدهم الخالص لله , ومن غير ذلك لن نفرح بنصر الله ؛ فنحن لا نخدع الناس ؛ فلا يوجد لنا مناصب , ولا مكاسب , ويشهد ربنا أننا صادقون -إن قلنا- .
ولسنا كمن يستغل هذه الكلمة قبل الانتخابات كي يكثر من الأصوات والأرصدة .
فكم من أموال جمعت باسم فلسطين من أول ما قامت لليوم ولو أحصيت لكان لكل فلسطيني كذا مليون دينار، وذكر البشير الإبراهيمي في بعض مقالاته في الجريدة التي كان ينشرها أنه لا يملك شيئا إلاّ أنني تبرعت بمكتبتي وأبقيت بنسخة من المصحف ونسخة من البخاري وما سواه بعته وتبرعت بثمنه لفلسطين , وقد فعل مثل هذا العشرات. ونتوجه إلى إخواننا بالدعاء إلى إخواننا في كل البلاد التي يشرد ويقتل فيها المسلمون ولا يجدون الطعام ولا الماء , وليتخيل كل واحد منا أنه واحدا منهم فكيف سيكون حاله.
فأن يكون للمسلم حس تجاه إخوانه فهو أمر واجب عليه , ولكن لا ينشغل إلاّ بواجب الوقت».
من ضوابط الجهاد –في العراق- مراعاة الأحوال والظروف المتعلقة به
قال الشيخ مشهور حسن : «فالجهاد في الظروف الصعبة، والأحوال غير الطبيعية يحتاج إلى أحكام تُراعى فيه ظروفه، وما يحيط به من مستجدات، وهو ليس كالصلاة، لا بدَّ من أدائه على أية حال كما يعتقد بعض الداعين إليه، والمتحمسين له، ولست مبالغاً إن قلتُ: إنَّ أبرز أثار الفوضى في الفتوى اليوم تظهر علينا في الجهاد وأحكامه.والعجب من المفتين التناقض الشديد بينهم في هذا الميدان، واختلافهم في الجملة على حسب البلدان، ويدور مع مصالحهم دون النظر إلى مالآت الأفعال.
وقد بلونا جملة من الوقائع سمعنا فيها عجباً من أناس يشار لهم بالبنان، يتكلمون على أنهم علماء الأمة ويُطلقون التكفير بمراهقة الشبان، وهم كبار؛ كبار في أسنانهم، ودعواتهم، ومناصبهم، ولكنهم- والله- ليسوا ، كذلك في تقعيدات العلماء وأصولهم!.
وأكبر مثال وأشهره - وهو مازال ماثلاً للعيان- : الجهاد في العراق لصد العدوان الأمريكي، فكثير من الناس أفتى بالوجوب العيني على الشباب!! بناءً على أنَّ أمريكا هي أصل الشر، و..، و..، و..، دون اعتبار جميع الأوصاف والقيود التي لها أثر في الفتوى، فالنتائج محسومة، والأمور محسوبة، والأمن للمجاهدين غير حاصل، والنظام القائم بعثي لاشرعي، ولو قيل بالجواز لهان الخطب!!، أما الوجوب؛ والوجوب العيني!! فهذا - والله! - غفلة عما نبهه ابن تيمية على ما هو دونه، ووصف غير المقاتلين للتر آنذاك : «أهل المعرفة بالدين... » .
والخلط والخبط في الأزمات يشتد ولا سيما في أحكام الجهاد , فهذا قائل بوجوب القتال مع العراق , وآخر قائل بوجوب القتال ضده , وكلا الصنفين ينعت وجوبه بالشرعي , وتكرر هذا الخلط عدة مرات ابتداء من الحرب ضد إيران , ومرورا باحتلال الكويت , وأخيرا عند قدوم الأمريكان , والله أعلم بما سيكون في قابل الزمان , ووراء كل صنف أعلام ومؤسسات وهيئات للفتوى . والشباب متحمس ومتوثب ومتثبت ، ومواقفهم - ما لم يعصمهم الله - متذبذبة ، وسماع الوجوب العيني مع عدم فعله له آثار تربوية سيئة مدمرة ! لا يقدره الا الراسخون المربون من العلماء .
أما آن للمفتين قبل استدعاء النصوص-التي يعرفها كل طالب علم- فحص المكان والواقع الذي ستنزل عليه ، والنظر إلى المآلات؟
أخيرا ... إن إماتة لفظة (الجهاد) من مشاعر المسلمين ، سواء بسوء استخدامها ، ووضعها في غير مكانها ، أو بإيجابها على عاجزين ، لا يقل سوءا عن صنيع تلك الثلة التي تعمل على اخماد نورها وإطفاء لهيبها! والمحصلة والثمرة واحدة ، فهل من مدكر ؟!
والذي أراه ضرورة ، مراعاة المفتين إعادة ( الهيبة ) الى هذا (المصطلح) ، بترك ابتذاله ، وسوء إسقاطه ، وكذا من الخطباء والوعاظ ، بترك استخدامه زينة -فحسب- لخطبة رنانة ، وكذا من الدعاة والاحزاب ، بتر توظيفه للوصول إلى اعناق الجماهير ، والمجالس النيابية ، وتزيينه بالبيانات الحزبية ، وإنما العمل على التكامل بينهم للنهوض بواجب الوقت ، والوصول بالامة الى ذروة السنام ، وترك التآكل ، والبعد عن السذاجة وتفويت فرص التربص ، والتربية الشرعية الجادة الموصلة للولاية لله ورسوله والمؤمنين»