أنت هنا

قراءة كتاب بساتين الكلام - محاورات في الفكر والأدب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بساتين الكلام - محاورات في الفكر والأدب

بساتين الكلام - محاورات في الفكر والأدب

ليس خلعا للأبواب المفتوحة أن نزعم أنّ الفكر البشري إنما يتطوّر بتلاقح الأفكار وتجاورها واعتراكها واختصامها.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
دار النشر: دار زهران
الصفحة رقم: 2

بعد هذا أعود متسائلا: هل يمكن استنباط مشروع مما حاولت إنجازه، مشروع يمكن أن يكون معينا للجواب عن هذا السؤال ؟ لعل التأويلات التي حاولت تصنيفي والتي أشرت إلى اثنتين منها قد نسبت إلى مشروعات قابلة للانضواء في الأصناف التي نسبوا فكري إليها غصبا. لكني شخصيا ما زلت أتحسس طريقي لعلاج قضايا تعطي معنى لوجودي من حيث أنا ساعٍ بالفكر إلى الخروج من الرمل المتحرك الذي نعيشه في وجودنا الطبيعي ككل البشر وفي وجودنا الثقافي الذي احتدم فيه العصف المزعزع للإدراك العقلي شرطا للتمكن الوجودي. وقد حاولت في حلقات ''مسارات'' أن أصف بعض محطات المنحنى الذي أعيه من مسعاي الفكري دون أن أكون واثقا من أن فكري يتحدد بما أعي من محدداته.
فإذا كان ذلك هو المقصود بالمشروع فهو كما أسلفت فيها مجرد محاولة لتحديد فلسفة التاريخ القرآنية التي أراها متحكمة في كل ظاهرات الحضارة الإسلامية لأنها مطابقة لفلسفة الدين الخاتم والجامع بين الدنيوي ممثلا بفن أدوات الوجود الإنساني في صلته بمتعاليات وجدانه (السياسة) والأخروي ممثلا بفن غايات الوجود الإنساني في صلته بمتحايثات عقله (الدين).
لم ظلّ المفكرون العرب، منذ عصر النهضة إلى حد الآن، يراوحون مكانهم: الإشكاليات مكررة/ آليات التفكير نمطية / الحلول الاستشرافية هلامية ... مما أنتج استشراء التبعية الثقافية بعد اكتمال دائرة التبعية العلمية والاقتصادية والسياسية، فما رأيكم؟ وهل ترون آفاقا لتجاوز الأزمة التي شخصتموها ورأيتم أنها كامنة، بشكل كبير، في المثقفين أنفسهم؟ وإذا أصابت الأزمة طلائع المثقفين، فكيف يكون الحلّ؟
- قال المرحوم مالك بن نبي: تطلب مني تعليل الظاهرة لتسليمك بوجودها، وأنا أسلم مثلك بأن فكرنا الذي هذا جنسه هو الذي يوطد التبعية الثقافية مثلما توطد نخبنا الاقتصادية تبعيتنا الاقتصادية ونخبنا السياسية تبعيتنا السياسية ونخبنا الذوقية تبعيتنا الذوقية ألخ...لمجرد تجاهلهم شروط البناء السوي في كل الحضارات البشرية شروطه التي هي كليات العمران البشري. ولما كان هم السعي إلى جبر الكسر بين ماضينا بحدثه ومعناه وبمستقبلنا بمعناه وحدثه من منطلق بؤرة الوجود الموحدة لهذه الأبعاد الأربعة أصلا لها في تاريخ الأمة جبرا يمكن من سريان النسغ الحي من عروق الحضارة إلى فروعها هو الأساس الحقيقي للفكر في كل الحضارات الحية حاولت ألا أتجاوز هذا المسعى وقلوت المشروعات التي تتصور القراءة الماركسية أو الوضعية كافيتين لفهم أزمة الحضارة الإنسانية حتى وإن قنعنا بها للتعامل معها.
قد يرضى السياسي أو الإيديولوجي بما يمكن من التعامل مع الأشياء حتى ولو لم تكن مساعدة على فهمها. لكن الفكر لا يقنع بذلك إذا كان عبادة عملا بحقيقته التي هي طلب الحق. إنه يريد أن يفهم، ولا يمكن أن يفهم إذا بدأ فاعتمد النهج الذي يرد الوجود إلى الإدراك كما قال العلامة ابن خلدون فيحصر الموجودات في مداركنا ملغيا بذلك كل المتعاليات وقانعا بالموقفين الأكثر سطحية في تاريخ البشرية: فإما أن نعتبر العالم هو صورتنا عنه فنصبح من جنس كونكيخوت نحارب الخيالات ونتخلى عن كل سعي لطلب ما يتعالى على خيالاتنا زعما أن الحقائق المتعالية سواء كانت روحية أو مادية مجرد أوهام ليس يمكن النفاذ إليها حتى لو سلمنا بوجودها. أو أن نعتبر الإنسان محجوبا عنه الحق والحقيقة فلا يستطيع أن يحيا إلا في ضلالة تأسيسا للسوفسطائية المحدثة أو فكر ما بعد الحداثة حيث تصبح كل ثقافة محارة منغلقة وتنتفي الأخوة البشرية لكي يرتد التاريخ الثقافي إلى التاريخ الطبيعي الخاضع لمنطق الصراع من أجل الحياة.
لذلك فعندي أن أغلب المشروعات صارت سدا أمام التفكير المبدع لأنها ترد إلى هذين الموقفين ومن ثم فهي استيراد مآزق الفكر الغربي مآزقه التي تجاوزها هو وأبقى أصحاب المشروعات عالقين في شباكها. ولأضرب لك مثالين من هذا الأسر الفكري: المثال الأول من الفكر النظري في مجال بناء الثقافة الحديثة. ففي الوقت الذي تجاوز فيه الفكر الغربي الوضعية والعقلانية الساذجة نجد مفكرينا لم يتجاوزوا سذاجات قرني التنوير والعلموية قصدت القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وتلك هي العلة التي تجعل البعض يبحث عن شروط استئناف الفكر المبدع في قراءات وضعية وعقلانية ساذجة للفكر الفلسفي العربي الإسلامي ليخلصوا فكر أصحابه مما فيه من إبداع من أجل ما عند قرائه من الإتباع. ولن أطيل القول في هذه المسألة فقد عالجتها في دراسة مفصلة حول ثمرة القرن الأخير من الفكر الفلسفي العربي في حولية الأمة التي أصدرتها الأخت الفاضلة نادية مصطفى مديرة مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة القاهرة. والمثال الثاني من الفكر العملي في مجال بناء الدولة الحديثة. فالغرب تحرر من أساسييها اللذين كانا ساريين قبل الحرب العالمية أعني القومية والعلمانية. فلا يمكن تصور الوحدة الأوروبية من حيث القيام الفعلي لو بقيت إيديولوجية الدولة القومية سارية في النظر العملي. ولا يمكن فهم توقف الوحدة عند الحدود الأوروبية لو كانت علمانية حقا. فحدودها حدود ثقافية في الظاهر وهي في الباطن دينية بدليل الاعتراضات على دخول تركيا وبدليل ما يعانيه المسلمون في أوروبا بدءا بما حصل من تواطؤ في حرب البلقان الأخيرة وختما بالجاليات الإسلامية فيها.
لكن الأهم في إثبات زيف الكلام في العلمانية هو الزعم بأن الأوروبين حققوا العلمانية بالفصل بين الدين والسياسية متناسين أن الدولة الحديثة أخذت كل الوظائف التي تؤديها المؤسسة الدينية من الكنيسة فصارت دولة جامعة بين الوظائف السياسية (الأمن الداخلي والخارجي وتنظيم شروط التبادل والتواصل) والوظائف الدينية (الرعاية الاجتماعية والتعليم والصحة الخ...) ولم تفصل بين الديني أهم مصادر الغايات في العمران البشري والسياسي أهم مصادر الأدوات فيه. ذلك أن الفصل بين السياسي والديني مستحيل رغم ضرورة الفصل بين المؤسستين: فالشرعية السياسية لا يكفي فيها الأمن وتنظيم شروط التبادل والتواصل بل لابد من الرعاية الاجتماعية والتعليم. لذلك صارت الدولة جامعة بين الوظائف السياسية التي هي راجعة بالأساس إلى الأدوات والوظائف الدينية التي هي راجعة بالأساس إلى الغايات، فالرعاية الاجتماعية والتعليم والصحة كلها مبنية على الأخوة الإنسانية وهي علاج لما ينتج من أدواء عن التنافس خلال التبادل والتواصل في العمران.

الصفحات