أنت هنا

قراءة كتاب مقدمة في نظرية الأدب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مقدمة في نظرية الأدب

مقدمة في نظرية الأدب

كتاب " مقدمة في نظرية الأدب " ، تأليف عبد المنعم تليمة ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
3
Average: 3 (1 vote)
دار النشر: دار التنوير
الصفحة رقم: 2

الباب الأول

مصدر الأدب

الفصل الأول

التجريب والتجريد

ولد الفن من العمل ولم ينفصل عنه في يوم من الأيام، وتطور (الجميل) من (النافع) ولم يتناقض معه عبر تاريخ الفن والإنسان. فالعمل ـ حتى في أكثر عصور ما قبل التاريخ بدائية، عندما كان النشاط العملي موجهًا إلى الوفاء بالحاجات الضرورية المباشرة للحياة ـ نوع من الإبداع. فلقد كان الإنسان يرى ـ بصورة غامضة ـ في ما يصنعه لونًا من السيطرة على مادته ولونًا من الشعور المبهم بتحقيق الذات عن طريق أوَّلي للخلق والإبداع والتشكيل. غير أن هذا كان شعورًا مبكرًا بفرحة (الصنع) والقدرة على التحويل، لكن هذا الشعور الخلاق لم يتجسَّد في أعمال فنية مستقلة. إنما صار للفن وجود متميّز عندما صار العمل (إنسانيًا)، أي عندما صار خاضعًا لأهداف إنسانية واعية. فهنا تحول تاريخ الإنسان من أن يكون (تاريخًا بيولوجيًا) إلى أن يكون (تاريخًا اجتماعيًا) متبديًا في أشكال ثقافية من بينها الفن.

كذلك فإن العمل قد صاحبته المعاناة الجمالية، وتطور معه الشعور الجمالي لدى البشر، وهو الذي طوَّره وأغناه. لكن هذا الشعور كان (فرحة فظة) بدائية عندما كان العمل في صورته الأولى الحيوانية، عندما كان العمل متوجهًا فحسب إلى إرضاء الحاجات المعيشية والبيولوجية القريبة. فلما تطور العمل إلى صورته الإنسانية الواعية الهادفة ونشأت معه حاجات إنسانية جديدة تحول ذلك الشعور الجمالي البدائي إلى (متعة روحية). وارتباط هذه المتعة الروحية بالحاجة الإنسانية يجعل الجميل يتضمن بالضرورة النافع ولا يتناقض معه، إذ يرى الإنسان هنا، كمنتِج، أن ما صنعه يحقق نفعًا مباشرًا ويلبي حاجة عملية قائمة، كما يرى فيه في نفس الوقت قدرته على الخلق وطاقته الإبداعية، وفي هذا أعلى مدارج المتعة الروحية و(الجمالية). ومع هذا التطور الذي لحِق بالحاسة الروحية المتذوِّقة وبالشعور الجمالي لدى الإنسان، كانت حواسه الخارجية ـ البصر والسمع والشم، والذوْق واللمس ـ قد تهذَّبت خلال النشاط العملي. فقد صقل العمل حواس الإنسان، وانتقل بها ـ عبر ملايين السنين ـ من ضيق الحاجة العملية الخشنة إلى ثراء الحالات الشعورية والإحساسات الإنسانية. فإذا كان النشاط العملي للبشر مصدرًا لثقافتهم وخبرتهم، فإنه في ذات الوقت أساس لتطور حواسهم من صورتها الغريزية البدائية إلى صورتها الإنسانية الراقية: فلقد أصبحت حواس الإنسان الأول حواسا (إنسانية) عندما اكتسبت، باعتبارها وسائل للإنسان في صلته العملية بعالمه الطبيعي والاجتماعي، رهافة ومقدرة بتقدم تلك الصلة وتطورها. فالعين قد اكتسبت وظيفتها الإنسانية لما استوعبت عملها النفعي المباشر من نظر ورؤية وإبصار، وتجاوزته إلى الملاحظة المتعمَّدة والمراقِبة المدققة والرنوْ المتأمل، أي صارت العين عينا إنسانية لما أصبحت وظيفتها ـ مع الجانب النفعي العملي ـ مصدر إمتاع وإشباع شعوري. وصارت الأذن أذنا إنسانية لمّا صقلت قدرتها على نقل الموجات الصوتية وعلى تمييز أنواعها ودلالاتها.

كذلك تهذَّبت حواس الشم والذوق واللمس، ونمت طاقاتها على توصيل آثار المنبهات الخارجية إلى المخ، فأمدَّت الإنسان بكثير من الخبرات عن عالمه. هكذا كان النشاط العملي للبشر وراء انتقال الإنسان الأوَّل من المملكة الحيوانية إلى أن يكون صانع تاريخ، ومجتمع وثقافة. وهكذا صدَّر الفن ـ أعمالا فنية محددة ومعاناة جمالية وروحية ـ عن ذلك النشاط العملي. فخلال العمل ـ الذي أكسب البشر طبيعتهم الإنسانية ـ نمت طاقات الإنسان الإبداعية، وتطورت حواسه الروحية والخارجية، وارتقت قدرتها على الإحساس والشعور والمعاناة والتذوق.

أي أن العمل خلال تحقيقه لإنسانية الإنسان قد أهّل هذا الإنسان لأن يكون مبدعًا للفن ومتلقيًا له.

تتبدى صلة البشر الجمالية بعالمهم في كل وجه من وجوه النشاط الإنساني. لكن هذه الصلة تبلغ أرفع صورها في شكل محدد من أشكل الثقافة والوعي الاجتماعي وهو الفن. فالمعاناة الجمالية ـ إحدى السمات الأساسية للبشر ـ تبدو في علاقتهم بالطبيعة من حولهم، وفي علاقتهم ببعضهم. كما أن الشعور الجمالي ملازم للإنسان في كل إيماءة وكل حركة وكل عمل يقوم به، وفي كل وقْع للحياة عليه، وإنما تجد تلك المعاناة وذلك الشعور تجسيدهما وكمالهما في الأعمال الفنية.

الصفحات