أنت هنا

قراءة كتاب مقدمة في نظرية الأدب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مقدمة في نظرية الأدب

مقدمة في نظرية الأدب

كتاب " مقدمة في نظرية الأدب " ، تأليف عبد المنعم تليمة ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
3
Average: 3 (1 vote)
دار النشر: دار التنوير
الصفحة رقم: 3

ولقد رأينا ـ في الفقرة السابقة ـ أن العمل هو الذي فجّر في البشر حاجاتهم الجمالية، وخلق معاناتهم ومشاعرهم، وأرهف حواسهم، ثم هو الذي ساعد على منح تلك الحاجات والمشاعر الجمالية أشكالا مبكرة للتعبير الفني ظلت مرتبطة به وبغاياته النفعية إلى أن تميز الفن ـ باعتباره أرقى صور العلاقة الجمالية بالواقع ـ عن العمل. وكانت المحاولات الفنية المبكرة في ميدان تشكيل المادة غالبًا، وهذا منطقي في المرحلة الباكرة من تميز الفن عن العمل، لأن تشكيل المادة قد تطور عن (التجريب) في الطبيعة وخاماتها، وعن استخدام أدوات العمل والتعامل معها، فكانت هذه المحاولات الفنية ارتقاء بالتجريب المتصل بالحاجة المباشرة إلى أن يكون تشكيلا ذا صبغة جمالية، وافيا بالنافع والجميل في آن. ونجد هذه الحقيقة عند جمهرة مؤرخي الفن(1)، عندما يشيرون في تلك المحاولات التشكيلية إلى الطوابع المهنية والحرفية والعملية الواضحة.

لكن الأدب ـ من بين الفنون ـ لا يتصل في منشأ محاولاته الأولى وتطورها المبكر بالتجريب، إنما يتصل بالتجريد، ويرتد ذلك في المقام الأول إلى اختلاف أداته ـ اللّغة ـ عن أدوات الفنون الأخرى. وللفنون كلها ـ ومن بينها الأدب ـ خصائصها المشتركة ـ باعتبارها نشاطًا إنسانيًا نوعيًا واحدًا له حقائقه من حيث عملية الإبداع، وله آثاره من حيث الوظيفة الاجتماعية ـ لكن هذه الفنون تتمايز بأدواتها. فإذا كان الفن يصدر عن العمل الاجتماعي فإن دراسة أدوات الفنون من ناحية صلتها بالعمل، ومن ناحية طوابعها الخاصة تعد بداية ضرورية لفهم طبيعة الفن عامة ونوعية كل فن على حدة خاصة. ولقد غلب على التشكيل ذي الصبغة الجمالية اتصاله بأدوات العمل والتعامل مع الطبيعة والسيطرة عليها، لذلك كان الرمز بالنقش والرسم والنحت ارتقاء لأدوات العمل وتطورًًا لصلة الإنسان بعالمه الطبيعي وخاماته.

أما أداة الأدب ـ اللّغة ـ فهي أعظم أدوات الإنسان في تعامله مع عالمه وفي السيطرة عليه، لكنها ليست (أداة عمل) كأدوات الإنتاج، إنما هي أداة أعم، تقف وراء العمل الاجتماعي كله، ووجودها شرط قيام المجتمع، وهي ليست نتاجًا طبيعيًا بل هي نتاج اجتماعي يمثل تطور صلة الإنسان بعالمه الاجتماعي وعلاقاته. ومن هنا تتخذ صلة أداة الأدب بالعمل الاجتماعي سمات خاصة تتحدد في ضوئها طبيعتها. كما أن تطور هذه الأداة من النافع إلى الجميل، من مجرد (تسمية) الأشياء إلى القدرة على تكوين المفهوم والتعميم والتجريد والرمز يتخذ شكلا خاصا. لم يتضح للّغة (بُعدها الفني) إلا بمرور ملايين من السنين من التجربة الروحية والاجتماعية والمعاناة الذهنية والجمالية ومن النضج النفسي والعضوي للإنسان. وكان تطور اللّغة عبر ذلك كله يمثل واحدة من أمجد الحقائق في تاريخ البشرية، وفي هذا التطور يلاحَظ أمران:

الأمر الأول

أن أداة الأدب (اللّغة) تختزن سياقًا تاريخيًا واجتماعيًا أكثر من أية أداة فنية أخرى. فهي الأداة الوحيدة التي تلتحم بصورة مباشرة متينة بالتطور التاريخي لتكوين الإنسان عضويًا وذهنيا، كما أنها الأداة الوحيدة التي يواكب نضجها تكوين المجتمعات البشرية ويحدد شروط بقائها. لقد صاحبت اللّغة ـ من جهة الارتقاء العضوي والذهني عند الإنسان ـ نشأة القدرة على التفكير وساعدت عليه. كما أنها كانت من جهة تكوين المجتمعات البشرية قوة أساسية من قوى العمل الاجتماعي وأداة لتنظيم مواجهة البشر للطبيعة وتحويلها إلى ثروة.

وقد ظهرت اللّغة مع العمل، لكنها لم تكن لغة (كلامية) بل كانت (كلامًا بالإشارة) عن طريق الإيماءة والتعبير الوجهي، وكانت حكاية للصوت الطبيعي والحيواني عن طريق الصيْحة والصفير والصرخة. وارتقت قدرة (النطق) لدى الإنسان وتحولت إلى قدرة (على الكلام البشري) بتقدم علاقاته بعالمه الاجتماعي وبرقي أدوات عمله باعتباره ـ أي الإنسان ـ كائنًا منتجًا لعيشه.

ويشير العلماء هنا ـ من ناحية بيولوجية وتشريحية ـ إلى أن أجهزة النطق والسمع عند الإنسان قد دُربت على أداء وظائفها اللغوية الإنسانية خلال عملية العمل وبفضلها: فقد نمت في عملية العمل الاجتماعي مقدرة الإنسان وسيطرته العصبية على جهازه الكلامي، وتحكمه العضلي في أعضاء ذلك الجهاز؛ كذلك نضجت الأذن ـ والأذن عضو أساسي في نشأة الكلام واللّغة البشرية ـ خلال تلك العملية، فدُرِّبت أعصابها التي تتصل بمراكز الحس في المخ، واكتسبت وظيفتها ومقدرتها على التمييز ـ في الأصوات ـ بين المهموس والمجهور والبغيض والمحبوب، والودود والغضوب، والمتناغم والمتنافر.

الصفحات