أنت هنا

قراءة كتاب مقدمة في نظرية الأدب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مقدمة في نظرية الأدب

مقدمة في نظرية الأدب

كتاب " مقدمة في نظرية الأدب " ، تأليف عبد المنعم تليمة ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
3
Average: 3 (1 vote)
دار النشر: دار التنوير
الصفحة رقم: 5

والأمر الثاني

إن ارتقاء أدوات العمل وعاداته وعلاقاته قد أدى إلى انتقال اللّغة من مجرد تسمية الأشياء إلى تكوين المفاهيم المجردة والرموز. ويعد هذا الانتقال إنضاجا لقدرة البشر على الوعي بعالمهم وعلى صياغة علاقتهم به. ولا شك أن المرحلة الباكرة من نشأة اللّغة الإنسانية قد ارتبطت ببساطة العلاقات والخبرات والمعرفة المحدودة بالعالم. ولقد كان يكفي في ذلك الطور أن ترتبط التسمية بالمسمَّى بصورة مباشرة، وأن تُربط العلامة والإشارة بالموقف بشكل جامد لا يتعداه إلى غيره. أي كان يكفي أن تفي اللّغة بوظيفتي الإعلام والإخبار. وفي طور ثانٍ اغتنت الخبرة البشرية وارتقت أدوات العمل وتعقدت علاقاته، ووعَى الإنسان كثرة من ظواهر العالم وجزئياته فنشأت الحاجة العملية إلى الارتقاء اللغوي من مجرد التسمية المرتبطة بشيء مفرد والجامدة عند موقف ثابت، إلى المفهوم الدال على مجموعة من الأشياء بينها جامع، أو على مجموعة من المواقف تجمعها علاقة.

لقد أثمرت عملية العمل الاجتماعي هذا التطور اللغوي، فتحددت للأشياء والظواهر ـ التي وعاها البشر ـ أسماؤها، ووضعت للحركات والأحداث أفعالها وتميزت الصفات والأحوال والعلاقات. وكان التطور من العلامة والإشارة إلى المفهوم المجرد والرمز معناه تطور اللّغة من الوفاء فحسب بوظيفتي الإعلام والإخبار إلى الوفاء أيضا بوظيفتي التصوير والصياغة. ووصول الذهن البشري إلى تكوين المفاهيم المجردة وإنشاء الرموز هو أولى القرائن المشيرة إلى تقدم هذا الذهن وإلى نمو طاقتي التجريد والتعميم فيه: فالتجريد هو القدرة على تخليص الصفة المشتركة بين مجموعة من الجزئيات والأشياء والوصول إلى الكليات من خلال تحليل الجزئيات ومعرفتها، أو هو انتزاع الكلي من الجزئي بتخليص المعنى من المادة، بحيث يمكن استحضار الشيء من غير أن يرتبط هذا الاستحضار بشروط الوجود المادي وبشروط الزمان والمكان. والتعميم هو إطلاق هذه الصفات المستخلصة ـ أو المعاني المجردة ـ على كل الجزئيات والأشياء التي تشترك في تلك الصفة، مع اتساع هذه الصفة لما يستجد من جزئيات وأشياء داخل نفس المجموعة.

ولابد من التنبيه هنا إلى أن هناك فرقًا واسعًا بين ما تصل إليه الطاقات الإنسانية في التجريد والتعميم من مفاهيم مجردة وكليات، وبين (الأفكار المطلقة). ذلك أن المفهوم المجرد هو وليد الحاجة العملية والخبرة البشرية، ويظل لاصقًا بهما دالًا عليهما غير بعيد عن الموجودات المادية والخبرات الحية. وهو أداة راقية يدرك بها الإنسان عالمه ويلم بها شتات واقعه ويستصفي بها مغازي خبراته. بينما تفصل (الفكرة المطلقة) بين الأشياء ومفاهيمها، وبين الخبرات ومغازيها، فتجمد هذه المفاهيم والمغازي وتثبتها في الوقت الذي لا تثبت فيه الأشياء والموجودات والخبرات، فيؤدي هذا التجميد والتثبيت إلى انفصال بين الفكر والواقع، وإلى جعل المفاهيم والكليات (موجودات ذهنية) خالصة منقطعة الصلة بأصولها الحية. أي أن جعل المفاهيم المجردة والكليات أفكارًا مطلقة ـ ويتم هذا في ظروف اجتماعية بعينها سنتبينها في ما بعد(5) ـ يزيف الفكر والواقع على سواء، لأنه يوسع الشقة بين ما هو قائم في الأذهان وما هو قائم في الأعيان.

ويرد العلماء بروز طاقتي التجريد والتعميم عند الإنسان في المجتمعات القديمة إلى العصر الحجري(6) الحديث (من نحو 5000 قبل الميلاد إلى نحو 3000 قبل الميلاد). لكنهم لا يخلون تجريب الإنسان قبل ذلك العصر ـ وأي تجريب في أي عصر ـ من عنصر التفكير والإعمال الذهني. فإذا كان التجريب يعتمد على اليد ـ أولى أدوات العمل وأرقاها(7) ـ فإن الحذق في العمل اليدوي يدل في ذاته على قدرة فكرية. أي أن التجريب وهو ينهض على تنظيم واتصال بين اليد والعين لم يخل حتى في أكثر العصور بدائية من تنظيم واتصال بين اليد والمخ، أي لم يخل من التفكير. وفيما نحن بصدده من التطور اللغوي، فإننا لاحظنا أن الارتقاء من مجرد النطق إلى القدرة على الكلام البشري قد قام على تقدم في التنظيم والاتصال بين اللسان والأذن، وأن هذا التقدم لم يخل من تنظيم واتصال بين اللسان والمخ، أي لم يخل من الفكر. إذ إن الإنسان ـ كما سبق أن ذكرنا ـ قد بدأ يفكر عندما بدأ يتكلم. كذلك فإننا لاحظنا ـ في طور ثان من أطوار اللّغة البشرية ـ أن الارتقاء من العلامة والإشارة إلى المفهوم المجرد والرمز ـ من اللّغة المخبرة المشيرة إلى اللّغة الصائغة الرامزة ـ إنما كان بارتقاء التنظيم والاتصال بين اللسان والمخ في ظروف التطور العملي.

فإذا كان التجريب البدائي لم يخل من صور أوَّلية للذكاء الإنساني والعمليات الذهنية البسيطة، فإن الصورة الراقية لتقدم الفكر ـ وهي الفكر المجرد ـ ليست إلا نتيجة لتقدم تجريبي وتصورًا ذهنيًا للخبرة العملية.

هكذا نضج البعد الفني للّغة بنضج طاقتي التجريد والتعميم عند الإنسان، فإن التطور من العلامة إلى الرمز إنما يحكي حركة انتقال الذهن البشري من التعامل مع المادي الملموس إلى التعامل مع صورته الذهنية، ومن استخدام الشيء إلى استخدام رمزه: فليست العلامة أو الأمارة إلا مخبرًا ماديًا يعلم بالشيء أو بالظاهرة سواء في ذلك العلامة الطبيعية التي تنهض فيها الدلالة على قانون طبيعي، والعلامة الاصطلاحية التي تنهض فيها الدلالة على عرف اجتماعي. أما الإشارة فتقوم على قدر أكبر من تعيين المشار إليه، كما أنها تقوم ـ وليس هذا شرطًا لازمًا في العلامة أو الأمارة ـ على جانب يرسل الإشارة، وعلى جانب يتلقاها.

وواضح أن هذا الفرق حمل استجابة لمطالب جديدة في علاقة الإنسان بعالمه الطبيعي والاجتماعي. وواضح كذلك أن العلامات والإشارات كانت هي اللّغة البشرية في مراحل التطور الإنساني الأوَّلي. وهي وإن لم تكن لغة (كلامية) إلا أنها دالة على تطور فكري استوعبته اللّغة البشرية الكلامية، لأنها أداة الفكر وخازنة خبراته.

وفي اللّغة الكلامية كانت تسمية الأشياء حدثًا كبيرًا، وتحول هذا الحدث الكبير إلى فتح إنساني عظيم، عندما تجاوزت التسمية مسماها العيني بشروط وجوده المادية والزمانية والمكانية، إلى أن تكون تسمية لكل ما يشترك معه في شكله ووظيفته. فلفظة (شجرة) هي تسمية لهذا النبات المعروف في حال وجوده الخارجي المتعيَّن. لكنها ـ أي هذه اللفظة ـ تصبح مفهومًا ذهنيًا في حال تعميمها على كل الأشجار. فعملية تكوين المفاهيم تحل المفهوم محل الشيء المدرك وتتيح للإنسان أن يتعامل مع مفاهيم دالة على وفرة من الجزئيات والأشياء. واللغات الإنسانية في كل أطوارها ميَّالة أبدا ـ بعد إنشاء المفاهيم ـ إلى الارتقاء بها، بتخليصها من الاشتراك، وبالاقتراب بها من النقاء، لتكون أكثر دقة وتحديدًا. ووصول الجماعة إلى مفاهيم على درجة عالية من النقاء معناه أن لغة هذه الجماعة ـ وهي خازنة خبرتها ـ قد نضجت إلى حد بيان العام والخاص، والكشف عن أوجه الاختلاف وأوجه التشابه بين الظواهر والمدركات. ومعناه كذلك أن ما عرفته الجماعة من العالم قد أصبح ـ مستخلصًا ومعكوسًا في المفاهيم المجردة ـ مخزونا في لغتها وأداة تتجاوز بها الماثل والحاضر. فإذا كان التفكير بالمفاهيم المجردة ارتقاء من المباشر الملموس والفردي الجزئي والعيني الماثل إلى مفهوماتها الذهنية. فإن التفكير بالرموز قد كان ارتقاء بالتجريد نفسه إلى درجة عليا تتعدد فيها مستويات الدلالة وتعمق، ويصل فيها الذهن إلى خصوبة فكرية تمكنه من إدراك العلاقات والنماذج والصيغ والكليات.

في الرمز اللغوي نزوع بشري إلى تنقية الخبرة من الجزئية والفردية والمباشرة، ونزوع بشري إلى التحرر من قيد الزمان والمكان. ونزوع بشري إلى الخلاص من الكثافة المادية الغليظة، وتحقيق الرهافة الروحية الشفيفة. وفي الرمز اللغوي مستوى دلالي يزول فيه ما شاب الخبرة من غموض وإبهام فتلتئم خبرة الجماعة وتتفتح فيه مقدرة الجماعة على حفظ خبرتها في كليات رامزة إلى السعادة والشقاء والعدل والظلم والقهر والحرية... إلخ. إن التفكير بالرمز معناه إمكانية صوْغ العالم حسب ما وصلت إليه معرفة أصحاب اللّغة بهذا العالم، وحسب خبرتهم العملية فيه. وهذه الإمكانية معناها نضج البعد الفني للّغة أداة الأدب.

الصفحات