أنت هنا

قراءة كتاب مقدمة في نظرية الأدب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مقدمة في نظرية الأدب

مقدمة في نظرية الأدب

كتاب " مقدمة في نظرية الأدب " ، تأليف عبد المنعم تليمة ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
3
Average: 3 (1 vote)
دار النشر: دار التنوير
الصفحة رقم: 9

وليست هناك ـ في التاريخ الفني ـ بداية بعينها تحدد (ميلاد) الفن، لأن النشاط الإبداعي ارتبط ـ كما وضح سابقًا ـ بالنشاط العملي عبر آلاف من السنين في التطور البشري. كان الفن يتميز عن العمل ـ وإن كان لا ينفصل عنه ـ بمقدار تميز الإنسان عن الطبيعة واغترابه عنها وعلوُّه عليها عن طريق تطور أدوات العمل وما يرتبط بهذا التطور من ظروف وعلاقات. ولا يستطيع مؤرخو الفن والحضارة أن يتحدثوا عن (أعمال) فنية ترجع إلى أبعد من الفترات المتأخرة من العصر الحجري القديم ـ أطول مراحل التاريخ الإنساني كلها ـ وإلى العصر الحجري الحديث، أي إلى تلك المراحل والعصور التي عرفت ـ اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا ـ بالمجتمعات البدائية. وفي هذه المجتمعات اكتسب الفن قدرًا من التميز مستفيدًا من ارتقاء التجريب والتكنيك عامة، كما اكتسب (الفكر) قدرًا من التقدم ببروز طاقتي التجريد والتعميم. ولما كانت هاتان الطاقتان إنما هما في حقيقتهما تجريد للخبرة العملية وتعميم لها، فإن الفكر البدائي إذن هو (الصورة المجردة) للتجريب البدائي. أي أن الفن والفكر البدائيين إنما يرجعان إلى مصدر واحد وهو العمل البدائي نفسه(21). لكننا نقول هنا إن كلًا من الفن والفكر قد اكتسب في المجتمعات البدائية ـ في أطوارها المتأخرة ـ قدرًا من الاستقلال والتميز، فما العلاقة بين الاثنين بعد استقلالهما وتميزهما باعتبار كل منهما صورة (ناضجة نسبيا) من صور الوعي الاجتماعي؟ إن الفن يعكس علاقة نوعية بين الإنسان وعالمه. وجوهر علاقة البدائي بعالمه ـ كما صاغها الفكر البدائي ـ أنها علاقة سحرية أسطورية، وعلى هذا فإن الفن البدائي يعكس العلاقة الأسطورية بين الإنسان وعالمه الطبيعي والاجتماعي. ولقد سبق القول إن العلاقة الأسطورية بين الإنسان والعالم قد كانت منطقا للثقافة البدائية يتفق ودرجة بعينها مع الواقع التجريبي والبناء الاجتماعي. فإذا تتبعنا هذا المنطق للثقافة البدائية في صورة محددة من صورها، وهي الفن، وجدنا اتصاله ـ أي اتصال الفن ـ بتلك الدرجة من التجريب والبناء الاجتماعي يتبدى في مسألتين:

المسألة الأولى أنه إذا كان المنطق الأسطوري يحقق أهدافًا عملية واجتماعية في المجتمع البدائي، تقصر عن تحقيقها أدوات البدائيين ومعارفهم وخبراتهم، فإن الفن كان أداة أولئك البدائيين في تحقيق تلك الأهداف، لقد كان الفن البدائي ذا (مضمون) أسطوري، إذ كان يعكس علاقة سحرية أسطورية بالعالم، ولما كانت تلك العلاقة قائمة على نسق الواقع التجريبي والاجتماعي، فإن ذلك المضمون كان (اجتماعيا) في حقيقته. فإذا كان الأساس في (مضامين) الفنون البدائية هو التعميم الرمزي ـ إن جاز هذا التعبير ـ للواقع التجريبي والاجتماعي، فإن (أشكال) تلك الفنون قد ارتبطت إلى حد بعيد بالوسائل والأدوات والأساليب والخامات التي عرفها ذلك الواقع التجريبي البدائي نفسه. ولم يكن (المنطق) الأسطوري عند البدائيين ليتحول إلى (فن) لو لم يكن مرتبطًا ارتباطًا حميمًا بوحي حياتهم العملية وبنائهم الاجتماعي: فلقد أقام هذا المنطق علاقات ذهنية بين الأشياء المتشابهة، وعامل هذه العلاقات على أنها علاقات حقيقية قائمة في الواقع فعلا، ونهض على هذا في الثقافة البدائية مبدأ القدرة على إخضاع ما لم يخضع للإنسان بإنشاء (مثال ذهني) لهذه القدرة. ولقد ذكرنا في موضع سابق أن هذا المثال الذهني للقدرة الإنسانية لم يكن بعيدًا عن الواقع العملي، وإنما كان مستفيدًا من تجريد هذا الواقع ذهنيًا وساعيًا إلى إكمال عجزه وقصوره. وبسبب هذا القصور والعجز في الواقع العملي البدائي فإن المثال الذهني لسيطرة الإنسان على عالمه ما كان له أن يتحقق في الواقع، فتحقق في الفن. أي أن التعميم الرمزي ـ بعبارة أخرى: تحويل المفهوم إلى رمز، والتجريد الذهني إلى تعميم فني ـ جعل المنطق الأسطوري فنًًا أسطوريًا.

بهذا كان الفن البدائي تحقيقًا جماليًا لأهداف (واقعية) تعجز الخبرة عمليًا عن تحقيقها. أو أنه ـ أي الفن البدائي ـ كان تحقيقا لوجود ساع إلى الاكتمال، وجود يتخلق، وجود يصير ـ في الفن ـ وجودًا فعليًا. وهذه الخصيصة في الفن البدائي لا تجعله مفارقًا لعالم البدائيين الواقعي بل تجعله كاشفا لجوانب جديدة لم تكشف بعد في ذلك العالم، كما تجعله ارتقاء من (رؤية) المألوف المبذول إلى معنى من معاني (الرؤيا). وإن كان ـ هذا الفن ـ ليس حلما من أحلام اليقظة أو من أحلام المنام(22). فإن تلك الخصيصة لا تجعل هذا الفن ـ على الرغم من ارتباطه الشديد بالواقع التجريبي ـ محاكاة أو تقليدًا للظواهر العارضة بل تجعله بحثا عن جوهر هذه الظواهر وكمالها. ولعل في هذا ما يفسّر كثرة ما يحققه الفن البدائي من (أمنيات) الإنسان البدائي وأهدافه، كما أنه يفسّر ارتباط هذه الأمنيات والأهداف بالحاجات العملية لذلك الإنسان البدائي.

لقد أراد هذا الإنسان أن يأمن الضار وأن يجلب السار، وأراد أن يضمن مصادر لطعامه وحماية لحياته، ورغب في معرفة الظواهر المؤثرة في عيشه ووجوده وفي معرفة أسرار ما يحيط بهذا العيش وهذا الوجود من ألغاز وأسرار. وكانت أدواته وخبراته تتيحان له تحقيق القليل من كل هذه الأهداف والأمنيات وتعجزان عن تحقيق الكثير، لكن منطقه كان يحقق له هذا الكثير معتمدا المماثلة والتشابه بين الأشياء والموضوعات، ومعتمدا المثال الذهني أي مؤمنا بأن تحقيق الشيء ذهنيا يحققه واقعيا، وكان تجسيد هذا المثال الذهني في الواقع إنما يتم بالفن: فالرغبة التي تحققت للبدائي إنما حققها العمل، والرغبة التي لم تتحقق يمكن تحقيقها بعمل آخر هو ـ طبقا للمثال الذهني في القدرة على السيطرة ـ أن (يرقِّص) الإنسان هذه الرغبة أو يمثلها، أو يصورها، أو يغنيها، أو يشكلها. فإذا رقصها أو مثلها... إلخ تحققت فعلا. لهذا كان فن البدائي عملا، فلم يكن هذا البدائي يعمد إلى إبداع فن، بل كان يعمد إلى إنجاز هدف عملي وكان يرى في (إبداعاته) تحقيقا لأهدافه. ولقد أكد هذا الأمر عند البدائي أن رأى لهذه الإبداعات الفنية (نتائج واقعية) فكان الصياد (يتحكم) سلفا في صيده إذا رسمه صريعا وقد دق السهم في جسمه، وكانت رقصة بعينها يؤديها الصياد قبل عملية الصيد تشعره بالتفوق على الحيوان وتستدرجه إليه وتمكنه منه، كما كان المحارب يهزم عدوه مقدما إذا رسمه مهزوما... إلخ. «إن الصورة كانت هي التصوير والشيء المصوَّر في آن واحد، وكانت هي الرغبة وتحقيق الرغبة في الوقت نفسه. ولقد كان صياد العصر الحجري القديم يعتقد أنه قد استحوذ على الشيء ذاته في الصورة، ويظن أنه قد سيطر على الموضوع عندما يصور الموضوع. وكان يعتقد أن الحيوان الحقيقي يعاني بالفعل من قتل الحيوان الذي تمثله الصورة. فالتمثيل التصويري لم يكن بالنسبة إلى ذهنه إلا استباقًا للنتيجة المطلوبة. وكان من المحتم في اعتقاده أن يقع الحادث الحقيقي في أعقاب التمثيل السحري له، أو أن يكون متضمنا فيه بالفعل، إذ إن الاثنين لا يفصل بينهما إلا ذلك الوسيط غير الحقيقي الذي يتألف من مكان وزمان.

وعلى ذلك فلم تكن وظيفة الفن أن يكون بديلًا رمزيًا على الإطلاق، وإنما كانت هذه الوظيفة متعلقة بالفعل الحقيقي الهادف. ولم يكن الفكر هو الذي يقتل أو الإيمان هو الذي يحقق المعجزة، وإنما كان الفعل الحقيقي أي التمثيل التصويري، أو التصويب على الحيوان في الصورة هو الذي يقوم بالسحر. إن فنان العصر الحجري القديم عندما كان يصور حيوانا على صخرة، كان ينتج حيوانًا حقيقيًا. ذلك لأن عالم الخيال والصور، ومجال الفن والمحاكاة المجردة لم يكن قد أصبح في نظره ميدانًا خاصًا قائمًا بذاته مختلفًا عن الواقع التجريبي ومنفصلا عنه. ولم يكن قد واجه المجالين المختلفين بعد، وإنما رأى في أحدهما استمرارًا مباشرًا متجانسًا للآخر».

ما طبيعة (النتائج الواقعية) التي كان هذا الفن الأسطوري يحققها لأصحابه؟

الصفحات