رواية "فازع شهيد الإصلاح في الخليج"، أحداث هذه الرواية تقع في زمن افتراضي.. لربما ما بعد عام 2050. وفي مكان افتراضي في منطقة الخليج العربي. إن تشابهت شخصيات الرواية مع شخصيات في المنطقة حالياً فهذا ليس من عيوب الرواية. نقرأ منها:
أنت هنا
قراءة كتاب فازع شهيد الإصلاح في الخليج
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

فازع شهيد الإصلاح في الخليج
انتصبت (أم فازع) وسط الخيمة الفسيحة. رافعة صدرها المتهدل بصورة واضحة وكأنها تريد استنشاق المزيد من الهواء، حيث بدت مؤخرتها الكبيرة تلامس جلابيتها اللاصقة على جسدها. كان ملفعها قد ارتخى قليلاً، فبرز جزءٌ من شعرها الذي تداومُ على صبغه باللون الأسود. تهاوت على أحد المساند في الخيمة تتقاذفها الأسئلة:
- لماذا أكره أولادي هكذا؟
- ماذنب هذه المسكينة البرئية؟
- ماذنب (فازع) الذي لا يسأل عنه أحد؟
- ماهذه العائلة الممزقة الحاقدة؟
الصمت يصادر وداعة المكان، والريح الخفيفة تعبث بذوائب حبال الخيمة المتفلتة، ووشوشات الخادمتين تتسلل متقطعة من الخيمة المجاورة. فجأة داهمت (أم فازع) صور الماضي. انتفضت وتفصّدت أعضاؤها عرقاً. بسملت وحوقلت وأعادت وضع ملفعها على رأسها، لكن صور الماضي حاصرتها بكل إصرار.
لم تكن هذه المرأة الصلبة القوية هكذا قبل ثلاثين عاماً! بل كانت إمرأة رائعة الجمال. تسابق عليها رجال القبيلة مذ كانت في الخامسة عشرة. ووصفتها النساء لإخوانهن وخوالهن؛ بل ولأزواجهن؛ جرياً على موروث التعدد المزعوم والذي تكسب فيه المرأة أجراً لو اختارت عروساً جميلة لزوجها؟! كانت عيناها تشعّان جمالاً خلف البرقع الأسود، لم تكن تعرف (الماسكرا) أو الكحل؛ ولم تكن تضع حمرة الخدود أو الشفايف. كان وجهها أخاذاً باستدارته ولونه الطبيعي. وكان أنفها الخنجري يزيدها هيبة وشموخاً. كانت شفتاها ورديتين ولم تك تحتاجان إلى تحديد – كما يفعل نساء اليوم - أو الأصباغ المتعددة، بل كانت حمرتهما طبيعية. نهداها كانا واقفين كأرنبين صغيرين مُتحفزيَن. ولم تكن بحاجة لأن تضع حمالات لترفعهما. الجزء الأسف من جسدها كان موقع الحسد ومؤئل الشبق كلما مشت في الأسواق أو ترجلت من باص المدرسة وتثنت وهي تدخل منزل أبيها في المدينة. لقد سرقت ألبابَ الشباب، بل إن أحدهم رسمَ لها صورة على جدار المدرسة وكتب تحتها (أحبك ياحلوة) مُبرزاً مؤخرتها الواضحة.
توحشت (أم فازع) عندما شاهدت ذات مساء صيفي – وهي في السادسة من العمر- والدها وهو يضاجع أختها الكبرى(شهدة) المطلقة من (وجع الشّري). كانت أختها تقاوم وتستغيث، لكن الوالد المتهور لم يتوقف قبل أن يصبّ ماءَهُ داخل ابنته. انتبه الوالد بعد أن قام يرخي ثوبه على خزيه لوجود ابنته الصغرى(أم فازع). رمقها بنظرة قاسية وتوارى إلى حوش المنزل. لم تتمكن (أم فازع) وقتها تحديد موقفها مما رأته. حاولت التقدم لمواساة اختها الجريحة، لكن عزيمتها خارت وانطلقت نحو غرفتها باكية. ومنذ ذاك الوقت حقدت على العالم كله.
اعتدلت أختها محاولة لملمة نفسها، وسترت جسدها ولمّت ساقيها المفتوحين؛ بينما كان ماء الخيبة و دم الغدر يتسلل من تحتها. كانت (شهدة) إمرأة فارعة الطول، ممتلئة بصورة فاحشة ومغرية، وكانت تتعطر باستمرار حتى عندما تكون في المنزل. حيث تترك عطرها يختال في كل ناحية تتجه لها. كانت تستمتع بالأغاني الراقصة، وكثيراً ما شاهدها أبوها وهي ترقص بعذوبة، وتترجرج خلفيتها ونهداها بصورة مغرية، رغم أن أمها رحمها الله كانت تنهرها دوماً عن هذه الأفعال المشينة وتدعو لها بالستر وحسن الختام.
اقتنعت (أم فازع) عندما تزوجت واكتمل عقلها أن أختها (شهدة) كانت تتعمد إثارة أي رجل، بل إنها كانت تخرج إلى حوش المنزل لتشاهد الرجال وهم يخرجون من المجلس بعد أن ينتهوا من غدائهم أو عشائهم، وكانت تتعمد أحياناً مناداة الخادمات حتى ينتبه لها الرجال!؟ لم يكن والدها طبيعياً في تلك الليلة الصيفية. فقد شمّت رائحة الخمر تحتلُ فِيه. واخبرتها بعد ذلك أختها (شهدة) أنه كان سكراناً وكاد يخنقها بعد أن اعتلاها، ولم يكن يلفظ اسمها، بل كان يهذي (تعالي يالحلوة.. تعالي.. أنا عطشان من زمان..) ولم يترجل عنها إلا عندما قضى وطرهُ منها.
منذ تلك الليلة اختلفت (أم فازع) وكرهت الدنيا، وحقدت على كل البشر. حتى زواجها من (أبو فازع) كان مقاربة اجتماعية أو حتمية قبلية لا أكثر!؟ فلقد ألزمها أبوها بالزواج من (حربي الصاعق) (أبو فازع) وهي في الثامنة عشرة من العمر. لم تكن لتقاوم تقاليد القبيلة. بل ولم تكن لتجرؤ على التحدث لأي كائن عما اقترفه أبوها بحق أختها المسكينة. ومع مرور الأيام أخذت تلك الصورة المؤلمة تنهش أعماقها وتزيد في كرهها للبشر. رغم أنها ولدت ولداً وبنتاً! شبَّ الولد (فازع) محباً للأخرين، حسن السيرة والسلوك، وأكمل تعليمة الجامعي بعيداً عنها. لكنها كانت تتحين الفرص لقتله! ولقد أنقذه أبوه عندما أخذه للعيش عند عمته في المدينة عندما شعر بجفاء العلاقة بينه وبين والدته، التي كانت تعامله مثل صبي المنزل. وإذ نجا (فازع) من الموت، فإن الطفلة أخته لم تنجْ، حيث حانت للأم فرصة الانتقام بقتلها عندما سافر (أبو فازع) إلى الحج.
لم تكن (أم فازع) إمرأة طبيعية. ولم يكن لها موقف من أي شيء؛ سوى كره الناس والحياة معاً! ولم يحاول زوجها ليأبه بتصرفات زوجته أو حياديتها في المواضيع التي يتطرقان إليها. رغم أنه يعاشرها المعاشرة الزوجية كما يفعل مع زوجتيه الأخريين!؟ لقد تفرغ (أبو فازع) لتجارة الأطعمة التي درّت عليه أموالاً كثيرة، ذلك أن علاقاته مع بعض النافذين في البلد أهلته ليكون الممول الرئيسي لأطعمة الجيش والحرس الخاص للملك. كما عرّفه أحد العسكريين على القائم على شؤون التغذية في القاعدة الأمريكية ودخل معه في شراكة، وأصبح له مصدر رزق كبير. القواعد الأمريكية تنتشر في هذه المنطقة منذ أكثر من مئة عام ، لكن هذه القاعدة لم تأت عبر اتفاقيات مع الحكومة، بل جاءت ضمن حملة لحماية الملك إثر حدوث انقلاب في المملكة قبل عشر سنوات، ولم تخرج حتى اليوم. اليوم يتلقى (أبوفازع) الدولارات ويفقد ابنه.

