كتاب " شمس القراميد " ، تأليف محمد علي اليوسفي ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2009 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب شمس القراميد
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

شمس القراميد
القسم الأول: مرايا مريم
امرأة من تدرّجات الضوءوخِضاب القرنفل
كل ما نفتقده يتألّق نوره في ماضينا. هذا ما أعتقده شخصيّاً. ولست أفهم كيف يتحول ماضينا إلى مستقبل للأيام الآتية، يقصده الغائبون سواء أكانوا قطارات أم بشراً.
وفي كلتا الحالتين أدركتُ أن الضجيج هو الذي تركنا، من دون التوصّل إلى الجزم بأن ما تبقّى لنا هو الصمت. يقودنا الصمت غالباً إلى الماضي، وهو حاضرنا أيضاً، إذْ يستطيع أن يكون كذلك إذا كنّا نحن نحن، ولكنْ كما قد ترانا عيون الموتى.
فهل ماتت شمس القراميد حتى ينتابني شعور بأنني ماضيها، والحال أنني لا أستطيع ذكرها إلا بصيغة الماضي؟
ليس أوحش من قرية هجرها القطار. ولست أبكي السيد بوسكو: سكّة صدئة أتينا، مع كائناتنا الأرضية، على ما تبقّى من عوارضها الخشبيّة، صمت معدنيّ عقيم، تتخلّله نباتات شوكيّة ذات أكواز متهيِّئة للريح، وتسلكه أرتال من نمال مثابر وعظايات تخطف ما تبقّى من بقع الضوء ورنين الأصداء.
في زمن آخر، سمّيْتُه الصمت، كانت السكّة تلمع متقطعة البريق، تحت ظلال شمس أخرى، سمّيناها "شمس القراميد" أو سمَّوها لنا كذلك، لا فرق. امرأة من تدرجات الضوء وخضاب القرنفل، تكشط سطح السكّة الأملس، فيجيبك أيّ واحد منا: لم يمرَّ القطار، بل هي شمس القراميد تهيّئ سكّة أقدارنا.
فهل كان قدَرنا الأحمق يهيّئ لتوقُّف القطار، لأن سكّة أخرى، في اتجاه آخر، أفضل من هذه العقدة الريفية الصغيرة، متّكئة على زمن أقلّ تعقيداً وعلى خطين متوازيين بين عاصمة ومدن ثلاث منغرسة في ما اصطلحتم عليه اليوم، باسم الشمال؟
مهلاً! الشمال الغربي، رجاءً!
شمال الماء والبوم والصوّان.
الأرض التي يسميها لك آخرون أرضَ "إفريقيّة".
لم أكن بطلاً، ويبدو أنني لن أصير كذلك. غير أنني وُِلدت خلف صخرة، في الأراضي الممتدة تحت مجرى الوادي. وكانت تلك أراضي بوسكو.
عندي نهر، وسبع قناطر، تبدأ بجرف، أخشاه كثيراً خاصة عندما يمتلئ بأمطار الشتاء أو بفيضان النهر.
وعندي ممرّ صخريّ يخترق القرية من شرقها، متعرّجاً نحو جنوبها الغربيّ، حتى يبلغ مزرعة بوسكو. وهناك أملك دبّابة ومدفعاً. وعندي أيضاً مصطبة تنفتح بها أوسع حُجرات المزرعة على منحدر الوادي. عندي صليب سرّيّ لم يكتشفه أحد إلا أنا ومريم.
من هناك أطلّ على جبالي الوردّية، ورائي، وأضواء المدينة البعيدة، أمامي. وتكون القرية على مرمى مدافعي. وكثيراً ما أفاجئ القطار بعطب مدوّ يجعله يفرّ صائحاً نحو أقواس القناطر، أو ناهباً الأرض باتجاه العاصمة. آنذاك ينتصب كلّ ما فيّ، ويتوفّز مع المدفع. وإلى اليوم ما زال يحدث لي ذلك مع صفير قاطرة، أو ارتجاج عربات، أو حتّى التماع بريق على السكّة. يكفي أن تكون سكّة ملساء، ناعمة، ذات لمعان خاطف، حتّى يقشعرّ كلّ ما هو نائم في جذعي اليابس.
عندي العين الباردة في غرب القرية، وبئر الضوء في شرقها، وسط غابة السنديان بالضبط.
بعد آخر طلقة، أصبْتُ بها رأس القطار، قرّرت الحكومة تغيير اتّجاهه، لكنه ظلّ محور تواريخنا وأمثالنا.
وهكذا صارت عندي مزرعة غادرها بوسكو، ومحطّة غادرها القطار.
كان ذلك قبل أن أقرّر، بدوري، مغادرة كاف الحجر.

