كتاب " شمس القراميد " ، تأليف محمد علي اليوسفي ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2009 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب شمس القراميد
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

شمس القراميد
لكنه يستطيع الظهور، أو الاكتفاء بالتلصّص عليّ، من إحدى الزوايا. لذلك لا أتركه. وأصيح به:
-يا غدّار، لماذا تقرّر، وحدك دائماً، وقت الجدّ ووقت اللعب؟
وعندما يطيل ولا يجيب أقول له:
-تغيب كما تريد، وتحضر متى تشاء، هل تخشى شاويش الجبس حقًّا؟
يتناول شيئاً أبيض، مثل كرة صغيرة، ويقذفني به. فيصيب قمّة رأسي وأنا مشغول بمراقبة جعلان الأرض. لا تؤلمني الضربة لكنها تفتح رأسي عند عين اليافوخ. فتعود إليَّ طراوتها كأنني ولدت من جديد. قبل ذلك حكت لي أميّ ماذا كنتُ أفعل قبيل الولادة. حكى لي العينوس بدايتي التي لم أعشها.
في ليالي القرية ينهض أخي. يخرج سائراً في نومه، ولا يبحث عن العين الباردة، كما فعلت جدّتي، فسقطت في الجرف، لأنّها أخطأت الاتجاه، بل يسير حتى يبلغ المقبرة، خلف مزرعة بوسكو. يحفر حفرة صغيرة. يخلع ثيابه، ثم يدفنها تحت التراب، ويعود. وبذلك يتخلص من البراغيث.
وأراه أحياناً يركض عارياً في حزمة ضوء.
أركض وراءه كي أفتح يافوخه، بدوري. لكنه يتميّز بتلك القدرة الفائقة على الظهور كما يريد، والاختفاء متى يشاء.
يظهر. أضرب.
تلتوي يدي، أو ترتخي. فلا أصيب الهدف. أقول له:
- تعْبتُ كثيراً. أريد أن أضربك، لكنني تعبت.
يقترب منّي مبتسماً أو شامتاً ولا يتكلم. فأقول له:
- لن أغطيك مرّة أخرى، ولن أحذّر أميّ من الجلوس عليك!
يرفع أصابعه المضيئة في الهواء ويقول:
-اِنسَ يافوخك ويافوخي.
فأنساهما بسرعة وأسأله:
-لماذا؟
يجيبني بسبّابته اليمنى المتحركة في الهواء:
- لأنّ لك رأسين وأربع عيون؛ النصف لك والنصف لي.
- ولماذا تضربني؟
- أضرب النصف الذي لي.
لكنني أعود إلى نفسي فأقول في سرّي: "أخذني وصار يتكلّم بي" ثم أصارحه:
- ها أنتذا تعرف أنّ ما ليس لي، ليس لي.
- الآن فقط عرفت!
- لماذا تظنّ دائماً فتصدّق ظنّك؟
- الله غالب، أنا هكذا لا تترك أميّ تجلس عليّ عندما تغسل
ثمّ ينصرف إلى سطح الماء يحرِّكه بكفّ يده.

