أنت هنا

قراءة كتاب من أجل الجمهورية الثالثة في لبنان

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
من أجل الجمهورية الثالثة في لبنان

من أجل الجمهورية الثالثة في لبنان

كتاب " من أجل الجمهورية الثالثة في لبنان " ، تأليف منير قرم ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

عجز القانون، مرآة الاستهتار السياسي

إن اغتيال رئيس الوزراء اللّبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط 2005 شرّع الباب أمام حقبة من عدم الاستقرار والأزمات في لبنان. وغدا الوضع الدستوري والسياسي متعذّر الحلّ، فضلاً عن فجوة الشرعيّة التي يغرق فيها لبنان وهي الناتجة عن صراع داخلي يغذّيه الخارج ويتدهور تدريجاً منذ جريمة 14 شباط. ولاحقًا، غداة تمحّصنا في تاريخ لبنان بعين ناقدة، تظهر فجوة الشرعية كنتيجة حتميّة لسوء الفهم والالتباس وتراكم الانتهاكات للقواعد الأساسيّة وللدستور منذ الاستقلال.

احترام سيادة القانون بالمعنى الواسع (سياسات الحكومة الخاضعة لمبدأ الشرعية وحرمة القواعد الدستورية واحترام المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان) والاستقرار السياسي والاجتماعي أمران مترابطان. وقد يكون عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي عاملاً لاغيًا لقيام دولة القانون، كما تكون القدرة على انتهاك المبادئ الأساسية لسيادة القانون مؤشِّرًا لاحتمال عدم الاستقرار.

إن تسابق الأحداث المساهمة في إحداث الفراغ القانوني والدستوري خلال الست سنوات الأخيرة يخفي وراءه سقوطًا بطيئًا وتدريجاً (للدولة) على امتداد نصف قرن؛ وقد تكون أبطأت في بعض ملامحه أو سرّعت فيها أحداثٌ كبرى. فمنذ الاستقلال، ينال سوء فهم المعنى الحقيقي لتفاهم الطوائف من حسن سير العمل في المؤسّسات. إن ممارسة توزيع المهام الانتخابية والإدارية إضافة إلى الهيمنة المستمرّة من قبل الطبقة الإقطاعية أو الأرستقراطية عاملان منعا تدريجاً نشر قاعدة حديثة وفعالة لسيادة القانون، وازداد الشقاق في المجتمع. كذلك فإنَّ ظهور دولة إسرائيل، وطرد الفلسطينيين من أرضهم ونزوحهم نحو لبنان والحرب الباردة والتنافس العربي-العربي... جميعها عوامل متناقضة كان لها التأثير السلبي الحاد على التوازن اللبناني الدقيق. خلال فترة ما قبل الحرب، تضاعفت الاعتداءات على الدستور لكـأنّها مؤشّرات استغاثة لنظامٍ غدا على شفير الانهيار (تلاعب منهجي في القوانين الانتخابية، وتحكّم الطائفيّة في الإدارة...). حتى أتت الحرب انفجارًا داخليًّا حقيقيًّا للشرعية في لبنان لا تزال تداعياته شاخصة حتى الآن. وكان ثبات الدولة، طوال فترة الحرب، على هذا النحو، محض خيالٍ شرعي (في ظل انقسام الجيش، وغياب الانتخابات البرلمانية، وتعيين حكومتين...)، لكنه خيال شرعي ضروري. وكان من أكبر المظاهر المتمايزة خلال الحرب، إلى جانب صمود اللبنانيين في خضم الصراع والتقاتل العبثي، استمرار عمل الإدارات، وإن بشكلٍ متقطّع أو سيئِ أحيانًا.

شكّل اتفاق الطائف الفرصة الثانية الضائعة لإنجاز دولة القانون بصورة نهائية. فمرةً أخرى، وكما توالت الأحداث منذ عام 1943، تفاقم سوء الفهم والتعارض الجوهري في متن الاتفاق، ممّا سهّل السقوط المباشر والتدريجي في الفراغ. فالمصادقة على اتفاقات من قبل مجلس النواب المنتخب قبل 30 عامًا والتصويت على قانون العفو(2) وشروط الانتخابات النيابية لعام 1992، جميعها عيوبٌ شابت قيام الجمهورية الثانية. وبالرغم من نجاة الدولة في لبنان من تجربة الحرب الأهلية وتداعياتها، فإنها لم تُشْفَ من الأمراض العميقة التي أصابتها. فمرّةً أخرى، تضافرت عوامل خارجية عديدة أخّرت هذا السقوط (استقرار الوضع الجيوسياسي في المنطقة منذ عام 2000، والدعم المالي الدولي لإعادة الإعمار)، في حين ظهرت عوامل أخرى سرّعته. القوانين التي رعت تأسيس شركة الـ SOLIDERE، وتمديد ولاية الهراوي ولحود على التوالي (وحتى انتخاب سليمان)، والتصويت على مختلف قوانين الموازنة، جميعها شواهد على ممارسات شاذة وعوارض تداعي الشرعية وانهيار الدستور. وقد لمست عدم دستورية عددٍ لا يحصى من الحالات في حياة الجمهورية الثانية، بل ازدادت هذه الحالات وتسارعت بوتيرة عالية خلال السنوات الأخيرة(3). وإن بدت هذه الحالات بسيطةً للوهلة الأولى، فكلٌ منها يعكس، في نهاية المطاف، انقطاعاً عميقاً وافتقاراً صارخاً للثقافة القانونية والدستورية. هذه الممارسة للدستور عكست نوعية الحياة السياسية القائمة: فعمق الصراع بين الفرقاء السياسيّين والافتقار الكلّي للثقافة الديمقراطية والجمهورية (بمعنى احترام سيادة القانون) هي من أهم أسباب التفكك الدستوري.

وليس هذا الوضع سوى امتداد لمؤثرات ذات تداعياتٍ ثقيلة وعوامل هيكلية وسياسية واجتماعية تشكّل الثوابت التاريخية لنظام الحكم في لبنان وللنخب اللبنانية. وتناول عدد من الكتاب البارزين تحليل عناصر الوضع الراهن والعوامل الهيكليّة الكامنة وراء التداعي المزمن. لكن، يبقى حريًّا بنا التذكير، بشكلٍ تحليلي وموجز، بالسمات الأساسية لهذا الوضع. لأن الدستور وممارسته عملية طويلة الباع وليست وليدة اللحظة.

ليس ثمة توافق حتى الآن بين المؤرّخين حول أسبقيّة عوامل معيّنة والمسؤوليّات الخاصة بكلّ من مكونات المجتمع إزاء مختلف النزاعات التي نشأت في البلاد. ومع ذلك، فالخطوط العريضة لتاريخ الأرض التي تشكّل عليها لبنان المعاصر هي إلى حدٍّ ما محدّدة ومعروفة. فهناك ثوابت نشأت وتشكّلت وأسهمت في بناء الوعي الراهن، وأضفت عاملاً مساهمًا في التنظيم الدستوري والاجتماعي والاقتصادي للسلطة. ومن هذا المنظور، يبدو أن تنظيم السلطة في لبنان منذ عهد الإمارة خاضع لخمسة عوامل أساسية.

الصفحات