كتاب " الرسالة الأولى " ، تأليف أحمد حسن القضاة ، والذي صدر عن دار الجنان للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب الرسالة الأولى
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
وتمرُّ الأيام..
وكان قد نزل إلى الدنيا مولود جديد هو (صالح)، فيتلقاه أهله ولاسيّما والده (عايد) بالفرحة التامة والسرور البالغ.. إذ يحْضر عايد في إجازة خاصة بعد أيام من الولادة ، حيث لم يكن حاضراً في البيت آنئذٍ، ويطمئن على صحة الوالدة والمولود.. وكانت العادة أن تتم ولادة النساء في البيوت لا في المستشفيات، أما في حالات عسر الولادة- ونادراً ما كان حدوثها- فقد كانت تجرى في المستشفيات أو على يدي طبيب، أو تَبْقى المرأة تعاني الآلام والعذاب إلى أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.
وبعد ولادة صالح بأيام قليلة أطلَّ على الدنيا مولود آخر جديد هي (صفاء) ابنة محمود.. فيتلقاها الجميع بالدعوة عليها وعلى اليوم الذي ولدت فيه، كما هي العادة لدى الشرقيين يتفاءلون ويفرحون لولادة الذَكر، ويتشاءمون ويغضبون لولادة الأنثى.. لكن والدها (محموداً) كان على النقيض منهم.. فلم يغضب أو يتشاءم لدى سماعه نبأ ولادة ابنته، بل سر بها سروراً قد يعْدل سرور عايد بولده صالح..
* * *
قُلنا إن التفاوت كان موجوداً ما بين عايد ومحمود في شتى المجالات منذ الصغر، وقد ظهر جلياً واضحاً في حياتهما العملية والعسكرية..
كانت طبيعة عملهما تتطلب أن يتفرق كلٌ عن الآخر بعد أن اجتازا فترة التدريب الأساسي في مركز التدريب، ليعمل كل منهما في ميدان خاص، ووحدة مستقلة.
وفي الوقت الذي وصل فيه محمود بالترقية إلى رتبة ملازم في الجيش كان عايد قد وصل إلى رتبة وكيل ضابط.
هذا من حيث الرتب والترقيات (وإنْ كان للحظ فيها نصيب). أما في غير ذلك فقد كان سلوك محمود حسناً، وعلاقته برؤسائه ومرؤسيه ممتازة، مما حببه إليهم وحببهم إليه.. على النقيض من عايد، حيث كان سلوكه سيئاً، وعلاقته برؤسائه ومرؤسيه غير مرضية، ولاسيّما مرؤسيه مما جعلهم يكرهونه ولا يحترمونه إلاَّ في نطاق الضبط والربط العسكري.
* * *
وأخيراً.. جاء اليوم الذي توقفت فيه طبول الحرب وأصوات المدافع والبنادق عن الحركة.. وانتهت الحرب العالمية الثانية بانكسار ألمانيا النازية وانتصار دول الحلفاء- كما هو معلوم – فزالت على الأثر دُول وقامت على أنقاضها دول أخرى، وفتح التاريخ في سِفْره الضخم صفحة للعالم بيضاء جديدة..
ولكن.! لقد انتهت الحرب الكونية ما بين منتصر ومنكسر، كما هي النهاية دائماً في الحروب والمعارك وعاد بعدها كلٌ إلى بلاده يعيد تنظيمها وإعمارها، ويخطط لمستقبلها، ويعمل على ازدهارها..
عاد جميع المتحاربين إلى بلادهم، وانتهت الويلات وسكتت أصوات المدافع والقنابل.. إلاَّ في فلسطين وبعض الأقطار حيث امتدت الثورات والاشتباكات في فلسطين- مثلاً- إلى ما يقْرب من ثلاث سنوات أخرى بعد الحرب العالمية المذكورة.. كما هو معلوم.
وكان عايد ومحمود قد اشتركا فعلاً في بعض معارك فلسطين- كلٌ في موقعه- وأبليا فيها بلاء حسناً.. ولكنهما خرجا من الحرب سالمين ليُقتل أحدهما (محمود) في ميدان التدريب، وليبقى الآخر (عايد) حيّاً يكْمل لنا القصة كما سنرى..
ففي صبيحة يوم من أيام التدريب المعتادة خرج الملازم محمود مع فئة من جنوده إلى ميدان الرماية للتدرب على رماية القنابل اليدوية..
وكما هو الواجب على كل مدرب أو قائد مجموعة أن يقوم بالتطبيق العملي، بادئاً بنفسه أولاً، بعد أن ينهي شرح الدرس نظرياً، ولا سيّما في الدروس العسكرية، فقد تناول محمود قنبلة يدوية حيَّة وأخذ يهيؤها للعمل، ولكن الموت عاجله ساعتئذ فانفجرت القنبلة بين يديه فتناثرت أشلاء جسمه في الهواء، وأصابت شظاياها بعض الجنود بجراح وجُن جنون جنوده لهذا المشهد المأساة، وانخرطوا في البكاء على قائدهم المحبوب، وأخذوا يجمعون أشلاء جسمه المتناثرة ليعودوا بها إلى معسكرهم تمهيداً للإذن بنقلها عاجلا ًإلى أهله في قريته.. كما تم إخلاء المصابين من الجنود وإسعافهم..
وعادوا به، بل بأشلاء جسمه إلى أهله في اليوم التالي في موكب عسكري جنائزي مهيب.. ودفن في مقبرة القرية بين بكاء الأهل والجنود وأهل القرية وبعض القرى المجاورة..
* * *
وكان لا بد من مغادرة وضحا بيت الزوجية بعد استشهاد زوجها محمود بأسابيع قليلة.. إلى بيت أهلها مع طفلتها الصغيرة صفاء.
عادت وقد ارتدت أثواب الحداد التقليدية، وأظهرت للناس من الحزن على فقيدها ما جعلهم يجزمون بأنها زوجة وفيَّة لزوجها وقد لا تتزوج بعد وفاته.. أو ستمتد بها الرغبة عن الزواج إلى سنوات قادمة..
ولكن هذا الحداد ما لبث أن تقلص ظله بعد شهور قليلة، ثم ازداد فتوراً وانحساراً مع مرور الأيام، وعادت إليها نضارتها، وأصغت إلى طبيعة الأنوثة، فنزعت أثواب الحداد أولاً بأول، وبدأت في تناسي زوجها الراحل والبحث عن زوج بديل بوسائلها الخاصة.. وإن يكن رجلاً متزوجاً فلن (ترفض) ذلك الزوج إن توفر فيه الغنى أو الجاه..


