كتاب " الرسالة الأولى " ، تأليف أحمد حسن القضاة ، والذي صدر عن دار الجنان للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب الرسالة الأولى
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
غالباً ما يظل القَدر إلى جانب الأقوياء ردحاً طويلاً من الزمن.. بل شد ما يكون الحظ إلى جانبهم أكثر أيام العمر؛ يشد أزرهم، ويثبّت أقدامهم ويتسبب في إحباط الضعفاء والمساكين كي لا يلحقوا بركب المحظوظين.
فالذي منحه القدر لوضحا كان شيئاً كثيراً بالنسبة لها.. ولم تكن تتوقع حدوثه في يوم من الأيام..
ومع ذلك فقد أبى إلا أن يكْمل لها العطاء لتكمل هي الأخرى دورها في تلك المسرحية التي تم تمثيل أدوارها في بيت عايد..
لقد اكتملت فرحتها وابتسم لها القدر بعد أن وضعت مولودها الأول من عايد- ولداً ذكراً – هو (حامد) في الوقت الذي كان به عايد حاضراً في إجازته السنوية الطويلة.
ولا تسل عن مدى الفرحة التي غمرت قلبي عايد ووضحا ساعتئذ، ثم لا تسل عمّا قدَّماه من ألوان الطعام وأصناف الحلوى احتفاءً بمولودهما وابتهاجاً بمقْدمه..
كما لا تعجب للمتناقضات التي جرت وتجري في حياة كل من الزوجتين؛ أي موقف كل منهما تجاه الأخرى.
فقد رأينا سابقاً موقف وضحا (السلبي) تجاه أمينة في فترة ولادة الأخيرة ونفاسها.. ويفترض الآن في أمينة، وفي فترة ولادة وضحا أن يكون موقفها (سلبياً) تجاهها، وأن تعاملها بالمثْل، وذلك شيء منطقي..
ولكن أمينة الطيبة القلب، الصابرة المحتسبة كما عهدناها في جميع أدوراها تقريباً.. لم تقابل الإساءة بمثلها ولا نكران الجميل بندّه، بل قامت على خدمة ضُرتها وقدمت لها من ضروب المساعدة والعناية الشيء الكثير..
كل ذلك من غير أن يصْرف لها عايد أو وضحا كلمة شكر واحدة.
* * *
لقد احتملت أمينة أذى كبيراً..
احتملت العذاب والجور من الزوج والضرّة معاً.. فصبرت واحتسبت من أجل أولادها وحفاظاً على (سمعتها) بين أقاربها ورضىً بنصيبها من الزواج في هذه الحياة.. وأملاً في أن يشب ابنها صالح بعد سنوات قريبة، فيثأر لكرامتها المجروحة، وينتقم لها من ضرتها القوية ويعيد أباه إلى حظيرته الأولى.. والناس.. آه من الناس الذين لا يرحمون مسكيناً أو ينصرون مظلوماً..
الناس هؤلاء.. كالقَدر يميلون دائماً إلى صف القويّ ويقفون إلى جانبه..
الناس هؤلاء.. ولا سيّما المنافقون منهم الذين يرون الحق باطلاً فيبتعدوا عنه، والباطل حقّاً فيقتربوا منه.. على نقيض مما يتطلبه الدين والأخلاق..
الناس هؤلاء.. لم ولن يرحموها إن هي غادرت بيت الزوجية إلى بيت أهله وخلّفت وراءها أولادها، ولا سيَّما وهذا زوجها يرفض طلاقها، بعد إذ طلبته منه مرَّات.. بحجة أنه غير (مقصر) في أداء (حقوقها) الزوجية كما يدَّعي..
فإن هي هجرت الزوج فسيجعل الناس من عملها هذا (قصة) تلوك بها ألسنتهم، ويتندرون بها في مجالسهم إلى أن يجدوا قصة غيرها فيّدَعوها..
وحتى زمن قريب.. ظل أهل الريف في الوطن العربي يولون السمعة الطيبة منزلة عالية في منازل (الشرف) التي يفهمونها وتوارثوا مفهومها أباً عن جد.. بل كثيراً ما قضى نحبه في سبيلها الكثيرون منهم..
فالسمعة الطيبة والشرف والكرامة والنخوة وغيرها من الصفات الحميدة عادات متأصلة فيهم إلى جانب الدين وعدم الإشراك بالله..
إنهم يقدسون جميع هذه الخلال ويحافظون عليا أشد الحفاظ، بل يفتدونها بأرواحهم وأنفسهم..
قُلنا آنفاً إن القَدر غالباً ما يظل إلى جانب الأقوياء.. ولكن.! أنْ يظل إلى جانبهم على (طُول الخط) فذلك أمر مستحيل.!
قد يتوقع الأقوياء منه ذلك فيركنوا إلى (صداقته) وتحالفه معهم.. في الوقت الذي يسخر فيه منهم ويستهزيء بهم، بل يقهقه ضاحكاً شامتاً من هؤلاء الذين لا يعرفون سره ومكنونه.
وهذا ما حدث فعلاً لعايد ووضحا معاً؛ إذ وقع ما لم يكن بالحسبان، أو – على الأقل- لم يكونا يتوقعان حدوثه بهذه السرعة وفي هذه الأيام..
فقد أنهيت خدمة عايد العسكرية بعد أن وصل في الترقية إلى رتبة (نقيب) وحُرم من راتب التقاعد إثر إدانته بتهمة اختلاس مالية من الوحدة التي كان يتولى قيادتها..
ونتيجة لذلك، فقد أصيبت وضحا بخيبة أمل كبيرة ونكسة شديدة.. لا طمعاً في الحصول على مال فقط، بل لأنها كانت تؤمل في زوجها أن يصل إلى أعلى الرتب وأسنى المناصب ولا سيّما وقد تبسم له السعد وواتاه الحظ وتفتحت أمامه سبل التوفيق، بل لقد بدأ خطواته الأولى في شارع النجاح.
وهُنا كان صالح قد وصل في دراسته إلى الصف الأول الإعدادي..
وأخذ ينمو ويكبر.. فأصبح فتى طويل القامة، حلو القسمات، حسن الهيئة والصورة.
ولم يكن إنهاء خدمة والده من الجيش ليعْنيه من قريب أو بعيد- كعادته- بل انصرف إلى دروسه وحياته الخاصة.
* * *
استقر عايد في بيته بعد إنهاء خدمته العسكرية.. وانقضت أيام وشهور فكان لا بد له- بعد ذلك- من أن يتخذ (عملاً) أو يبحث عن وظيفة، ولا سيّما وهو لا زال شاباً وقادراً على العمل..
صحيح أنه ليس بحاجة ملحّة إلى المال بسبب حوزته على مبلغ كبير كان قد جمعه بطرق مشروعة وغير مشروعة أثناء خدمته العسكرية، ولكن هذا لا يمنع من مزاولة العمل لأن القعود عن العمل مرض بدني ونفسي..
فجرب أن يطرق أبواب الوظائف التي تليق بمقامه كضابط سابق في الجيش، ولكنه لم يفلح.
وعندئذ قرر بينه وبين نفسه أن يمارس العمل (الحُر) على أن يكون هذا العمل الحر بسيطاً في مظهره وقيّماً في جوهره، وأن لا يتجاوز حدود قريته..
لقد رغب في أن يضع لأولاده من بعده (رصيداً ) ممتازاً من الفدادين الزراعية فيحفظ بذلك مستقبلهم.. فأخذ يشتري قطع الأراضي الزراعية من بعض أهل القرية المحتاجين بأثمان بخسة مهتبلاً فرص احتياجهم لبيعها..
فهذا والد يريد تزويج ابنه وليس معه من المال ما يكفي لنفقات العرس وولائمه فيضطر إلى بيع بعض أرضه لهذا الغرض فيتلقفه عايد وينقده الثمن..
وذاك رجل قد وقع في ضائقة مالية مما يضطره إلى بيع بعض الدونمات من أرضه أو بستانه.. فيهرع إلى عايد ليبيعه ويتسلم منه الثمن إلى أن أصبح لدى عايد عشرات الدونمات الصالحة للزراعة أو المغروسة بالأشجار المثمرة كالزيتون والكرمة وغيرها..
ثم اشترى سيارة ركاب صغيرة للعمل ما بين القرية والمدينة لمَّا أن رأى حاجة القرية إلى مثل تلك السيارة، وعيَّن لها سائقاً من سكان المدينة براتب شهري معلوم.
ولكن تلك السيارة لم يكتب لها التوفيق والعمر الطويل بصحبته.. إذ نشب خلاف حاد بينه وبين السائق حول (غَلّة) السيارة، فطرد السائق، وباع السيارة ولمَّا يكن مضى على شرائها بضعة أشهر، وآلى على نفسه أن يشتري سيارة عمومية غيرها..
لم تغيّر وضحا من طبعها السيء شيئاً، ولم تكفّ عن التحرش بأمينة ضرتها، والإساءة إليها بمناسبة وغير مناسبة.
وقد تفاقمت أعمالها الشريرة وازداد طبعها سوءاً إثر طرد زوجها من الجيش. وأصيبت بعقدة نفسية عجيبة؛ إذ نسَبت سبب طرد عايد من (دعوة) أصابته من أمينة أو قد تكون أمينة أو أهلها قد صنعوا لعايد (سحراً) عن طريق أحد السحرة المشهورين في المنطقة..
هكذا صوَّر لها عقلها المريض، وجهلها هذه الفرية السخيفة فسكبتها في رأس عايد فانطبعت لديه، وصدقها وكيف لا يصدقها وقد كان يبدو إزاء شخصيتها القوية كالنعجة العجفاء أمام ذئب كاسر؟!
وتمر الأيام..
وتضع وضحا مولودة تسميها فدوى..


