أنت هنا

قراءة كتاب الرسالة الأولى

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الرسالة الأولى

الرسالة الأولى

كتاب " الرسالة الأولى " ، تأليف أحمد حسن القضاة ، والذي صدر عن دار الجنان للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 7

بعد جلاء الأتراك عن الوطن العربي حل مكانهم في استعمار بلادنا الانجليز والفرنسيون بعد معاهدة سايكس – بيكو المعروفة حيث تقاسموا فيما بينهم تركة الرجل المريض (تركيا) بانتدابهم على الأقطار العربية.

إذ في الوقت الذي كان الإنجليز يتفقون فيه مع الشريف حسين على استقلال البلاد العربية فإنهم كانوا يغدرون به ويُجْرون من وراء ظهره مفاوضات سرية مع فرنسا لاقتسام البلاد العربية والحيلولة دون قيام دولة موحدة فيها. وقد قضت الاتفاقية على أن تكون سوريا ولبنان حصة فرنسا بالانتداب، وأن يكون العراق والأردن حصة بريطانيا.. الخ.

والذي يعنينا هاهُنا بأن الأحوال الاجتماعية والاقتصادية في البلاد العربية قد تغيرت إلى الأحسن مما كانت عليه إبان حكم الأتراك.

فقد تحسنت أحوال التعليم كثيراً في معْظم مدن الأردن وقراه بعد جلاء الأتراك عن البلاد؛ فأُوجدت المدارس الحكومية- بالإضافة إلى الكتاتيب والمدارس الأهلية- للذكور والإناث، وعُدلت المناهج المدرسية، ولم يتدخل المستعمر الجديد في شؤون البلد الداخلية الصِرفة.

كما تحسنت بعض مَرافق الحياة الأخرى كالاتصالات الهاتفية ووسائل النقل والمواصلات والأمور الصحية والزراعية والتجارية.

وأما في الجيش فقد أُنشيء جيش نظامي متواضع (بقيادة انجليزية طبعاً) وتم تدريبه وتسليحه بشكل بدائي ومحدد، وعلى أُسس من الضبط والربط العسكري وبرواتب شهرية منتظمة لمنتسبيه. كما تم تزويده بما يلزمه من عربات وآليات ولوازم ولباس موحد لأفراده من جنود وضباط وطعام ومأوى.

وقد دخلت البلاد- فعلاً- في عهد جديد من التقدم النسبي..

وقس على هذا ما حدث لسائر أقطار الوطن العربي.

* * *

وتمر الأيام..

ويحين موعد قبول صفاء في المدرسة الابتدائية.. فيلحقها أعمامها بمدرسة البنات الابتدائية الحكومية في القرية المجاورة لقريتهم. إذ اقتضت الظروف إيجاد مدرسة ابتدائية للإناث لكل مجموعة قُرى في أكبر قرية منها.

وقد ظهرت على صفاء أمارات الذكاء والنجابة منذ الصغر، فبزَّت زميلاتها وكان ترتيبها في النتائج المدرسية السنوية من الأوائل.

كما أُلْحق صالح بمدرسة الذكور الابتدائية الحكومية وقد بدت عليه- أيضاً- علامات الرغبة في التعلّم- وإن كانت ليست بالدرجة التي عليها صفاء- وظل الاثنان يرتقيان في صفوفهما إلى أن أنْهيا الصف الخامس الابتدائي. وفي هذا الوقت كان عايد قد أصبح – بحكم الظروف والأقدمية- برتبة ملازم أول في الجيش.

* * *

كثيراً ما تكون نتائج جهودنا وأتعابنا وبالاً علينا وسعادة لغيرنا، ويكون ما ادخرناه خلال سنوات بَعْثَرةً لغيرنا في أيام أو ساعات.

ذلك من غير أن يكون لنا نصيب في الإفادة منه، أو من غير أن يعْبأ بنا وبجهودنا من يتولّى بعثرته وحْده. بل كثيراً ما بنى أناس كي يهدم بناءهم آخرون.

تِلْكم هي سنّة الحياة وطبيعة البشر.!

وفي النساء من ليس لديهنَّ عهد ولا ضمير، فتتزوج إحداهن وتُظهر لزوجها وبطرق خادعة ماكرة بأنها تحبه وتخلص له، وتقسم بأغلظ الأيمان لزوجها أن لو فرقت بينهما الأقدار- بموت الزوج مثلاً- فلن تتزوج من غيره أبداً.. حفاظاً على العهد، وإخلاصاً للحب..

ولكنها سرعان- بعد موته- ما يُكتشف كذبها حيث لا يمضي طويل وقت إلاَّ وقد تناست زوجها الراحل وبحثت عن زوج غيره ولا سيّما إن تكن في سن يسمح لها بالزواج..

هذا في بعض النساء. وقد يكنَّ معذورات – كنساء- في ذلك، ولكنْ ما بالك في صنف من الرجال الذين تذهب بهم نزواتهم إلى عدم (القناعة) بزوجة واحدة فيعْمد أحدهم إلى الزواج بأكثر من زوجة بمجرد أن ترتفع منزلته الاجتماعية أو يكثر ماله.. متنكراً لقواعد الأخلاق والاستقامة، غير عابيء بشريكة حياته الأولى، ناكراً جميلها وصبرها أيام بؤسه وفقره..

وإذا ما سألته: لمَ تتزوج يا هذا فإن لك من امرأتك وأولادها ما يغنيك عن هذا الزواج الثاني؟ لأجابك: بأن الإسلام يسمح له ولكل قادر على الزواج أن يتزوج مثْنى وثُلاث ورُباع..

فهو جاهل أو متجاهل.. حيث يتخذ من الإسلام ذريعة وباباً لدرء (شذوذه) ونزواته.. في الوقت الذي لا يسمح له الإسلام بتعدد الزوجات إلاَّ في حالات خاصة كزيادة عدد النساء على الرجال بسبب الحروب، أو عقم الزوجة، أو مرضها مرضاً مزمناً حيث الإبقاء عليها بمنعها من التشرد، أو إكثار النسل في الأمة عندما تدعو الحاجة إلى ذلك.. كما أن هناك من الرجال الأقوياء في أجسامهم مَن لا يستطيعون الامتناع طويلاً عن المباشرة الزوجية، وبسبب ما يعترض المرأة من ظواهر طبيعية في جسمها كالحيض والنفاس فإن المسألة تكون خطيرة قد تؤدي بالزوج إلى الزنا.

كل هذه الأمور التشريعية قد بيَّنها الدين من باب عدم العسرة، أو حصر الزوج المضطر للزواج فوق زوجته التي في عصمته.. لما في هذا الدين الحنيف من يسر وتسامح وتسهيل للأمور.

وفوق ذلك- وهم الأهم- فقد أوجب الإسلام على من يلجأ إلى التعدد أن يتحرى العدل بين زوجاته، فقال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا ) [النساء: 3]. فالعدل شرط أساسي من شروط التعدد.. كي لا تسود الفوضى والظُلم والتفكك رباط الزوجية المقدس.

* * *

أُدخل عايد مستشفى الأمراض النفسية للمعالجة من مرض نفسي ألمَّ به. ومكث في المستشفى شهراً، ثم غادره إلى قريته ليقضي إجازته المرضية بين أهله وذويه..

ومع أنه أبل من مرضه، إلاَّ أن مرضه هذا قد أحدث في طباعه وسلوكه وتصرفاته مع زوجته وأقاربه (انقلاباً) شاملاً؛ فأخذ يقسو على الزوجة لأتفه الأسباب، ويسيء معاملته لها بين الحين والآخر وعلى مشهد من الناس.. حتى تقوض صرح الحب الذي كان يظللهما سقفه، وابتعدت السعادة عنهما وحل محلها الشقاء ونكد العيش..

لكنّ زوجته أمينة لم تبادله كرهاً بكره، ولا إساءة بمثلها.. ولم تُطلع أهلها أو أقاربها على ما يجري في بيتها- وإن كان ما يجري لا يخفى عليهم- بل صبرت واحتسبت وأسلمت أمرها إلى الله تعالى فعسى أن يَصْلح حالُ زوجها فيعودَ إلى حظيرته الأولى ويشفى من مرضه.

وكانت – إلى جانب ذلك – تطيعه جيداً، وتقوم على شؤونه وخدمته وتلبية طلباته- وقد كثرت الآن بعد الذي أصابه من مرض- أكثر مما تفعله له في أي يوم مضى..

وبقي هذا حالها معه في كل مرة يأتي فيها بإجازة إلى القرية.

انتشرت إشاعات كثيرة في القرية خلاصتها أن عايداً سيتزوج من الأرملة وضحا زوجة المرحوم محمود.

وأثبت صحة هذه الإشاعات تلك المعاملة القاسية التي بدأ عايد في الآونة الأخيرة يعامل بها زوجته أمينة، وكثرة زيارات عايد لأهل وضحا في كل إجازة له إلى القرية وما يتْبع ذلك من الهدايا لها ولأهلها..

وبات الجميع يتوقعون إعلان خطبته عليها وزواجه بها في وقت قريب جداً..

وفعلاً تمت الخطبة بعد أشهر، وحدد الطرفان موعداً للزواج، بعد أن ضربَ عايد بكل اعتبار معنوي أو أدبي لزوجته الأولى، متناسياً أيامهما المشتركة الماضية.. بحلوها ومرّها، وعشرتهما الطويلة كزوجين وفيين..

وقد رأينا آنفاً الأسباب التي تدعو الرجل للتعدد، ولمسنا بأن عايداً لم تكن له حاجة أو سبب مبرر لهذا الزواج الثاني، لأن أمينة تنجب له البنين والبنات، وتحبه وتخلص له، بالإضافة إلى أنها تصغره سنّاً وجَمالها لا بأس به.. وبالتالي فقد شاركته أفراحه وأتراحه، وسعادته وشقاءه.. سنوات وسنوات..

الصفحات