كتاب " التدابير الحدودية لحماية الملكية الفكرية " ، تأليف شيروان هادي إسماعيل ، والذي صدر عن دار دجلة ناشرون وموزعون ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب التدابير الحدودية لحماية الملكية الفكرية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

التدابير الحدودية لحماية الملكية الفكرية
أما في اليونان، فقد كان هناك نظام خاص لحماية الملكية الفكرية، حيث يدل تأريخ الطباعة على أن اليونانيين القدماء أنشأوا مكتبة وطنية لحماية حقوق المؤلفين لقاء إيداع عدد من نسخ إنتاجهم فيها، وكان يودع في المكتبة نسخ رسمية من مسرحيات كبار الكتاب المسرحيين اليونان، وذلك لمنع تسرب نصوص هذه المسرحيات خارج البلاد. وهكذا عرف اليونانيون في أثينا أقدم مثل على مكتبة عامة كانت مركزاً لإيداع المصنفات بهدف حمايتها وحفظها والاستفادة منها([10]).
وفي روما القديمة وجد بعض صور الاستنساخ والتقليد وتزوير المصنفات الفنية كاللوحات والتماثيل ووجدت في الوقت ذاته بعض الوسائل التي يمكن للمؤلف الاعتماد عليها لدفع الاعتداء الواقع على مصنفه، وان هذا النوع من الاعتداء على المصنفات الفنية تعد من أكثر صور الاعتداء على المصنفات قدماً([11]).
ويكشف لنا التأريخ أن بعض شعراء العرب كانوا يتعرضون للسرقات الشعرية عن طريق انتحال واقتباس بعض الأبيات أو الجمل الشعرية من الطارئين في مجال الشعر وإلقائها علناً دون ذكر قائلها الأصلي، وهذا يدل على ان العرب قديماً قد عرفوا ما يسمى بجريمة الانتحال الأدبي في مجال الشعر والنثر([12]).
وفي الشريعة الإسلامية، يمكننا القول بأن الإسلام عرف بعض صور الملكية الفكرية وعرف فقهاء الشريعة وعلماؤها بعض المفاهيم والمفردات المتعلقة بها ووضعوا لها القواعد والضوابط التي تحكمها وتوفّر الوسائل اللازمة لحمايتها والاعتداء عليها. ويذهب رأي([13]) إلى ان الابتكار الذهني والحث على العلم والانتفاع به واستنساخ المصنفات والحق المالي للمؤلف والحق الأدبي، من أهم المفاهيم والمفردات التي عرفها فقهاء الشريعة وعلمائها في مجال الملكية الفكرية. كما وأن فقهاء الشريعة الإسلامية اعتبروا الابتكار شرطاً أساسيا للإبداع الذهني والذي يجب توفره في العالم أو المؤلف أو الأديب([14]).
وأن للمؤلف مكانة رفيعة وتقديراً كبيراً في نظر الشريعة وأطلقت عليه لفظ العالم حيث قال عز وجل (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء)([15])، وعلا الله من قيمة العلم والعلماء بقوله تبارك وتعالى (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)([16]). وحث الإسلام الناس على العلم وأوجب عليهم التعلم وطلب العلم، فقد جاء في الحديث الشريف (من سلك طريقاً يطلب فيه علماًً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة)([17])، ويبدو من ظاهر هذا الحديث ان الرسول ساوى بين طلب العلم والتقوى.
أما في مجال استنساخ المصنفات، فان النسخ قبل ظهور المطابع كان يعد الوسيلة الوحيدة بيد العلماء والمؤلفين لإبراز مؤلفاتهم، وأصبح النسخ حرفة رائجة وسوقاً نافعة، وقد عرف الكثير من علماء المسلمين استنساخ الكتب وتصحيحها وتجليدها والاتجار بها([18]).
وفي مجال الحق المالي، فان الدولة الإسلامية كانت تقوم بشراء الحقوق المادية للمؤلف من خلال تكليفها له بالكتابة في موضوع معين تحدده الدولة مع التزام الأخير بعدم المساس بحقوقهم الخاصة، وهذا يدل على ان للمؤلف حقاً فيما ألَّف وله أخذ عوض مقابل إنتاجه وإبداعه الفكري([19]). كما جاء في قرار مجمع فقهاء المسلمين بأن حقوق التأليف مصونة شرعاً ولأصحابها حق التصرف فيها ولا يجوز الاعتداء عليها([20]). ويدل هذا القرار على أن الشريعة الإسلامية تحمي، إلى جانب الحق المالي، الحق الأدبي للمؤلف من العبث والاعتداء، وان من أهم مظاهر حماية الحق الأدبي هو الأمانة العلمية، والتي تعد جوهر الحماية للإنتاج الفكري.
وخلاصة القول، ان المسلمين عرفوا بعض مفاهيم ومفردات الملكية الفكرية ووفروا لها الحماية الكفيلة بعدم المساس بها، مع ملاحظة كون الحماية المقررة عند المسلمين لم تتخذ شكل التشريع بل كانت على شكل أعراف([21])، وبالتالي فان الأعراف الإسلامية عرفت مفردات الملكية الفكرية.
ثانياً: التطور التأريخي لتنظيم حقوق الملكية الفكرية
لا يوجد تاريخ ثابت لتنظيم حقوق الملكية الفكرية في تشريعات الدول، نظراً لاختلاف الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الموجودة في كل منها، ثم ان بعض الحقوق حظيت بالاهتمام والتنظيم من قبل المشرع في بعض الدول قبل الدول الأخرى مثلا إنجلترا سبقت الدول في تنظيم وحماية حق المؤلف، بينما العلامة التجارية تم تنظيمها لأول مرة في فرنسا، وهكذا فان المشرع في أغلب الدول قام بتنظيم حق أو أكثر من الحقوق الفكرية، ثم بعد ذلك دعت الحاجة الى تنظيم هذه الحقوق دولياً.
بدأت حقوق الملكية الفكرية تنظم بشكل بسيط في تشريعات بعض الدول، حيث عرف بعض جمهوريات إيطاليا الشمالية نظام حماية المنتجات في نهاية عام 1400 في عصر ازدهرت فيه الحرف اليدوية، وأصبحت منتجات الحرفيين تجد أسواقا في كل مكان. وبعدها صدر أول قانون متعلق بالملكية الفكرية في البندقية في 19/ 3/1474([22]).
وتعاقبت الدول في تشريع القوانين المتعلقة بتنظيم مفردات الملكية الفكرية وشهدت فترة ما بعد القرن السادس عشر حركة تشريعية واسعة في أغلب بلدان أوروبا وأمريكا. حيث صدر قانون البراءات البريطاني والذي يسمى بـ(قانون الاحتكارات) عام 1624 وينظر إلى هذا القانون على أنه وضع أسس قانون البراءات، مع ملاحظة أن جذور قوانين البراءات ترجع إلى مدينة البندقية، ويعد أول تشريع من حيث تحديده لإجراءات ومستلزمات منح البراءة([23]). ثم صدر القانون الفرنسي عام1791، والقانون السويدي عام 1819، والقانون الأمريكي عام 1836، والقانون الألماني عام 1877، والقانون النرويجي عام 1885. وفي الدول العربية، فان تونس تعد من أوائل الدول العربية التي صدر فيها قانون براءات الاختراع عام 1888، ومن ثم لبنان عام 1924، وإمارة شرق الأردن عام 1935 وسوريا عام 1946، ومصر عام 1949([24])، والعراق عام 1970.
وفي مجال حقوق المؤلف، يذهب رأي([25])، إلى أن نواة قانون حماية المؤلف ترجع إلى العصور الوسطى في أوروبا، حيث استخدمت الأنظمة الدكتاتورية قوانين حق المؤلف لغرض السيطرة على المؤلفات والرقابة على المنشورات، لذلك فقد أوجدت السلطات الحاكمة أنظمة تدعم سيطرتها على المنشورات والمؤلفات وأهمها نظام الامتيازات والذي كان بمفهومه آنذاك يتضمن منح الناشرين ودور النشر الموالية للسلطة رخصاً من السلطة لنشر المؤلفات.
و يربط الكثير من الباحثين بين نشأة حق المؤلف وبين اختراع الطباعة في أوروبا في القرن الخامس عشر، وينظرون إلى اختراع الطباعة بأنها نقطة تحول في تأريخ الملكية الفكرية وحمايتها([26])، ولكن تقنية الطباعة كانت موجودة في الصين قبل أن يخترعها الأوروبيون بعدة قرون.
وبعيداً عن الجدل الدائر حول نشأة حق المؤلف، نعرض فيما يلي تأريخ صدور بعض قوانين حق المؤلف في بعض الدول، حيث صدر أول قانون خاص بحماية حق المؤلف في إنجلترا في 10 أبريل 1710 المعروف باسم قانون (الملكة آن) وأعترف فيه لأول مرة بوجود حق فردي (استئثاري) في حماية العمل المنشور([27]). وفي فرنسا أصدر الملك لويس السادس عشر المراسيم الستة عام 1777، ثم بعد الثورة الفرنسية شهدت فرنسا حركة تشريعية واسعة وصدر عام 1791 أول مرسوم خاص بحقوق المؤلف وتوالى إصدار المراسيم إلى عام 1957، وهو العام الذي صدر فيه القانون الخاص بحماية الملكية الأدبية والفنية وحل محل المراسيم السابقة، وفي الولايات المتحدة الأميركية صدر أول قانون فدرالي لحماية حقوق المؤلف عام1790، وفي روسيا عام 1837([28]).

