كتاب " ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ " ، تأليف سيجموند فرويد ، ترجمة د.عبد المنعم الحفني ، والذي صدر عن
أنت هنا
قراءة كتاب ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
تلك كانت ظروف الضغوط البيئية العنيفة التي تهيّأت للطفل ليوناردو، والتي يرى فرويد أنها تهيء الفرصة لتشجيع الاضطراب النفساني نتيجة الشعور بعدم الأمان: لأنه حُرِم الأب لمدة خمس سنوات هى سنوات التكوين الحاسمة من حياته؛ ولأنه عاش مع أم حُرِمت الحب والزوج فانقلبت على ابنها تصنع منه الزوج الذي فقدته، وترتوى بحبه استعاضةً عن حبّ ضائع وحياة غير دافئة وغير مشبعة، فأثارت فيه ما كان هاجعاً، وأيقظت نوازع وغرائز لم يكن أوان بعثها، ودفعته دفعاً إلى الإحساس بعوامل نضج جنسي مبكر، زاد قلقه ودفعه بدوره أن يتساءل عن ماهية ما يحدث له، ولم يجد أحداً يشفى غل سؤاله، ويروي ظمأه للمعرفة، ومن ثم دفعه إلى أن يبحث لنفسه ويستقصى معاني ما لم يحط به علماً، وتربّى لديه حبّ استطلاع عنيف، كان أُولى لَبِنات شخصيته الفنية العارفة: شخصية «الفنان - العالم».
ويدرس فرويد، من خلال حياة ليوناردو، أثر السِّفاح والعيش في كنف الأم وزوجة الأب، وأثر الأب والبيئة على نفسية وتفكير الطفل ليوناردو، وقد جعله حبّه لأمه لا يقرب النساء، ويرى فيهن أمه، ومن ثم ألهمه حُّبه لأمه لوحات حيّرت العالم والنقاد، وجعلت منه أنبغ رسامي النهضة، وعبقرية على قمة فن هذه الدنيا قديمها وحديثها.
ويجد فرويد أن ليوناردو على هذه الصورة نموذجاً مثالياً لآرائه، فهو يرى أن اللبيدو في الطفل يترّكز في أناه، ومن ثم يسمّيه «لبيدو الأنا»، والطفل لا يحتاج للعالم الخارجي، كل ما يهمه هو أمه وحدها، وأمه ليست من العالم الخارجي، بل جزء منه هو نفسه. ويستمر هذا الوضع لمدة الأربع أو الخمس سنوات الأولى، ثم يبدأ الطفل يدرك أن هناك عالَماً خارجياً، ويتغيّر اللبيدو لديه ليصبح لبيدو نرجسياً، وبعد أن كان الطفل أنانياً فقط، يصبح الطفل أنانياً بالإضافة إلى بعض الإحساسات الشهوية التي بدأت تتمّيز لديه. ويحب الطفل نفسه كما كان يفعل نارسيسوس (الذي اشُتقت منه الصفة «نرجسي»). وبعد سن السادسة يتخلى الطفل عن بعض نرجسيته، ويأخذ بالمقابل لبيدو الناس الآخرين، ومن ثم يتطور لمستوى أرقى من التوافق، لمرحلة اللبيدو المتعلق بالموضوع. وتتحقق له هذه المرحلة في سن الحلم، وفيها يتوزع إحساسه الشبقى على الجسم كله ولا ينحصر في المنطقة التناسلية وحدها، ويفلح كذلك في كبت نوازعه الجنسية، والتسامي بجزء منها، وتخصيص الجزء الباقي لغرض التكاثر والإنجاب؛ وفي سن الحلم أيضاً يتطلّع ويستعرض ويلمس ويعتدى ويتذوّق ويتشمّم، بحثاً عن موضوع لحبه. ويقدم فرويد مصطلحين هما الموضوع الجنسي والهدف الجنسي، ليصفا السلوك الجنسي؛ فأمّا الموضوع الجنسي فهو الشخص الذي يشدّه إليه سحره الجنسي؛ وأمّا الهدف الجنسي فهو الغاية التي تسعى إليها الغريزة الجنسية. والموضوع الجنسي شخص من الجنس الآخر، والهدف الجنسي هو الرغبة في الجماع العادي. غير أن هناك انحرافات تخصّ الموضوع، وأخرى تخص الهدف. وانحرافات الموضوع تضم اللوطيين وغيرهم. وموضوعهم الجنسي شخص من نفس الجنس، فالرجل يعشق الرجل، والمرأة تعشق المرأة، بل إن الرجل المنحرف أو اللوطي، أو المريض بالجنسية المثلية، ليحسّ بالنفور من المرأة، وهو ما يسمى horror feminae. ولا ينبغي أن نفهم أن اللواطة تتخذ لنفسها التعبير الصريح السافر دون غيره، فهناك لواطة كامنة، أي نزوع كامن، وهو ما رآه فرويد في حالة ليوناردو، وما لمسه في تاريخ حياته من إحاطة نفسه بمجموعة من الفتيان الذين يتّسمون بالصباحة المفرطة، ومن عزوفه المستمر عن الجنس الآخر. وأمّا انحراف الهدف، أي الانحراف في الفعل الجنسي نفسه، فيكون بتضخيم جزء من أجزاء العملية الجنسية، كأن يبالغ المنحرف في العدوان أو في اللمس أو في التطلّع، ويرجع فرويد السبب إلى تجربة عارضة في الطفولة، تربط العض أو الضرب أو العدوان عموماً، أو اللمس، بالفعل الجنسي، وتكون مصاحبة له. وتعاود الأعراض، بشكل مضخم، الفرد المنحرف في البلوغ، فيتحوّل إلى سادي أو ماسوشي أو استعراضي أو متطلِّع إلخ، من ضروب الانحراف الجنسي. ويحدثنا التاريخ والأدب عن رجال برزت عندهم سمة اللواطة، فالتوراة مثلاً تصف لنا لوعة وحزن داود على يوناثان ابن شاول وصديقه، حين يبكيه فيقول «كان حبي لك رائعاً يفوق حبي للنساء» (صاموئيل 1/1)؛ ويصف بلوتارخ حب دامون وبيثياس أروع وصف حتى لتحسبه حب رجل لامرأة. ومؤرخو ليوناردو يذكرون أنه قد قُبض عليه وحوكم بتهمة اللواطة، رغم أنه بريء من التهمة، ولكن الواقع أن ليوناردو كان لوطياً، واشتركت عوامل كثيرة في انحرافه، تناولها فرويد بالشرح، وأسهب في تحليلها، حتى عرّى ليوناردو تماماً. ومن ذِكرَى رواها ليوناردو لحادث، قال إنه وقع له في طفولته، بنى فرويد بناءً نفسياً شامخاً لأعظم رجال عصر النهضة، وتوغّل في دهاليز لا شعوره، وحلل حياته ولوحاته، مستخدماً منهج التحليل النفسي، راسماً له خريطة حياة بدأ فيها بمذكرات ليوناردو، وتتبَّعها تاريخياً، وربط بين أقواله وأحداث حياته، وبحث عن معناها الخاص عند ليوناردو، وبذلك اكتسبت الأقوال التي كانت غير مهمة أبعاداً جديدة هامة، وظهرت المواد التي كانت مهملة، ووضعها فرويد في إطارها الكلّي الصحيح، وجمعها حول الذكرى التي وصفها للحادث المتوهَّم، الذي أطلق عليه اسم وهم النسر، وبذلك وضح سلوك ليوناردو.


