كتاب " ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ " ، تأليف سيجموند فرويد ، ترجمة د.عبد المنعم الحفني ، والذي صدر عن
أنت هنا
قراءة كتاب ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
وكان من آثار ذلك على صُوَره أن عافت نفسه الفرشاة، وبدأ يرسم أقل، والأسوأ من ذلك أن ما كان يرسمه لم يكن يتمه غالباً، ولم يعد يهتم الاهتمام الواجب بمستقبل أعماله، وكانت تلك الطريقة وهذا الأسلوب في العمل، هما ما كان يأخذه عليه معاصروه الذين ظل فنه بالنسبة إليهم لغزاً محيّراً.
ولقد حاول الكثير من المعجبين اللاحقين بليوناردو أن يمحوا وصمة اللاثبات من شخصيته، وادّعوا أن ما يلام عليه ليوناردو إنْ هو إلا سمة عامة يتمّيز بها كل الفنانين الكبار. وقالوا إن ميخائيل أنجلو[] نفسه، وهو المعروف بنشاطه الجم وانهماكه في فنه، قد خلّف أعمالاً كثيرة لم تكتمل، ولم تكن الغلطة غلطته مثلما لم تكن غلطة ليوناردو. ثم إن بعض الصور لم تكن ناقصة كما يدّعون، وما يمكن أن يعدّه الناس العاديون روائع ربما تكون في نظر الفنان المبدع أعمالاً ناقصة، لأنها تجسّد نواياه التي ظلت ظامئة للإشباع. وربما كانت لليوناردو فكرة واهية عن الكمال قد حاول يائساً إخراجها وتجسيدها. ثم هل الفنان مسئول عمّا ينتظر أعماله من مصير؟
وبرغم ما قد يبدو من قوة بعض هذه الأعذار فإنها لا تقدّم لنا تفسيراً لكل ما نجده بحالة ليوناردو، فصراعه المؤلم مع فنه، وهروبة النهائي منه، ولا مبالاته إزاء مستقبله، قد نراها في حياة الكثير من الفنانين، ولكنها تبرز كأقصى ما يمكن في حالة ليوناردو. ويكرّر سولمى ما قاله أحد تلاميذه: «يبدو أنه كان دائماً يرتجف عندما يبدأ في الرسم، ولم يكن لذلك يُتم ما يبدأه قط، وكانت روعة الفن تطغى عليه أبداً، حتى أنه كان يرى الأخطاء فيما كان غيره يراه رائعاً»[(]1). وظلت رسومه الأخيرة: ليدا، ومادونا، والقديس أونوفريو، وباكوس، والقديس يوحنا المعمدان، ناقصة. ويشير لومازو في قصيدة له إلى عجز ليوناردو المعهود عن إتمام أعماله، منوّها بلوحة العشاء الأخير. وكان بطء ليوناردو في العمل مضرب المثل. وبعد ثلاث سنوات من الدراسة المستفيضة أتمّ رسم العشاء الأخير في دير سانت ماريا بميلانو. ويقول ماتيو بانديللي، أحد معاصريه والمؤلف الروائي، وكان وقتها راهباً شاباً في الدير، إن ليوناردو كان يصعد السقاله في الصباح الباكر ولم يكن يترك الفرشاة حتى الغسق، لا يفكر أثناءها في الطعام أو الشراب. ثم تمر الأيام دون أن يلمس الفرشاة، وكان يقف أحياناً بالساعات أمام رسمه يجد الإشباع في دراسته بنفسه، وأحياناً كان يقصد الدير مباشرة من قصر قلعة ميلانو حيث كان يصمم تمثال فرانسيسكو سفورزا راكباً جواداً، ليضيف بضع ضربات من فرشاته إلى أحد أشخاص رَسْمِه ثم يتوقف فوراً. وطبقاً لرواية فاساري فإن ليوناردو انكبّ لسنوات على صورة الموناليزا زوجة الفلورنسي دي جيوكوندا دون أن يتمكن من إتمامها، وربما كان ذلك هو سبب عدم تسليمها لصاحبها وإنما ظلت مع ليوناردو الذي نقلها معه إلى فرنسا حتى حصل عليها الملك فرانسيس الأول، وهى الآن أحد كنوز متحف اللوفر.
وعندما نقارن هذه الأوصاف لطريقة ليوناردو في العمل مع وجود هذا العدد الفائق من المسودات والدراسات التي خلّفها، لا يسعنا إلا أن نرفض فكرة اتّسام شخصيته بالهروب واللاثبات، وأنهما كانتا صفتين، لهما أدنى التأثير على علاقة ليوناردو بفنه، وعلى العكس فإننا نلمس استغراقاً فائقاً من جانب ليوناردو في عمله، وثراء في الإمكانيات لا يسع المرء إزاءه إلا أن يتردد في اتخاذ القرارات، ومطالب من الصعب إشباعها، وتقاعسا عن التنفيذ لا يمكن تفسيره حتى بأنه تخلّفٌ حتمى للفنان عن مواكبة هدفه المثالي. وكان البطء البارز في أعمال ليوناردو منذ البدايات الأولى عَرَضاً للكف[(]1) عنده، وهو السابق على انصرافه عن التصوير الذي أفصح عن نفسه فيما بعد[(]2). وكان بطؤه هو الذي حسم المصير المؤسف للعشاء الأخير. ولم يكن ليوناردو يهوى فن التصوير الجصِّى الذي يتطلب العمل السريع بينما المهاد (أو الخلفية) ما يزال طرياً. وكان هذا هو السبب في تفضيله الألوان الزيتية التي كان جفافها يسمح له بإكمال الصورة وفق مزاجه وعلى راحته. ولكن هذه الألوان كانت تنفصل عن المهاد الذي كانت ترسم عليه، والذي كان يعزلها عن الحائط القرميدي. وأسهمت فيما يبدو عيوب الحائط والتقلبات التي كانت تجرى على الحجرة في التلف الحتمي التدريجي للصورة[(]1).
ويبدو أن صورة معركة فرسان أنجيارى، والتي بدأ رسمها فيما بعد منافساً ميخائيل أنجلو[(]2)، على حائط سالا كونسيجليو بفلورنسا، والتي تركها كذلك ناقصة، قد جرى عليها نفس ما لصورة العشاء الأخير. ويبدو هنا أن الاهتمام الخاص بالتجريب والذي كان دعامة فيما سبق للفنان، هو الذي أتلف فيما بعد إنتاجه الفني.


