أنت هنا

قراءة كتاب ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ

ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ

كتاب " ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ " ، تأليف سيجموند فرويد ، ترجمة د.عبد المنعم الحفني ، والذي صدر عن

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
دار النشر: مكتبة مدبولي
الصفحة رقم: 7

ولقد أُطلق على ليوناردو إسم «فاوست» الإيطالي، لما يتّسم به من رغبة نهمة لا تكل في البحث. ولكن حتى لو تناسينا أن مأساة فاوست[(]1) يغلب عليها تحوّل الرغبة في البحث إلى رغبة في الحياة وملذاتها، فإننا يمكن أن نجازف بالقول بأن طريقة ليوناردو تذكّرنا بطريقة تفكير سبينوزا[(]1).

وربما يكون تحوّل قوة الدافع النفسي إلى أشكال مختلفة من النشاط أمراً جائزاً، إذا تم بشكل ضيق جداً ودون خسارة للقوى البدنية مثلاً. وحالة ليوناردو تعلّمنا وجوب اتّباع أشياء كثيرة في تلك العمليات، كأن لا نحب قبل أن نعرف موضوع الحب معرفة تامة، وهذا يقتضي تأخيراً في الحب قد يضره. وعندما تتحقق للمرء أخيراً المعرفة فإنه لن يحب أو يكره بطريقة سوية، لأنه سيكون قد تجاوز الحب والكراهية، فهو قد قام بالبحث بدل أن يقوم بالحب، وربما لهذا السبب افتقرت حياة ليوناردو للحب أكثر من أي من كبار الفنانين والناس. ولقد افتقد ليوناردو الانفعالات العاصفة المحركة للروح من النوع المُحرق، والتي ذاق فيها الآخرون أحلى أيام حياتهم.

وهناك مزيد من النتائج لاتّباع قول ليوناردو المأثور، فبدلا من العمل والإنتاج، يكتفي المرء الذي يبدأ في حدس روعة الكون وعظمة متطلباته، لينسى ذاته التي تصمحل حتى لتصبح غير ذات معنى. وعندما يُبَده المرء بالإعجاب ويتواضع حقّاً، فإنه لينسى بسهولة أنه جزء من تلك القوة الحية، وأنه ليصبح له الحق - حقاً يكبر أو يصغر بقدر كبر أو صغر شخصيته - أن يقوم بمحاولة لتغيير مجرى العالم، العالم الذي يستوى فيه التافه والعظيم في الروعة والأهمية.

ويرى سولمي أنّ بحوث أو استقصاءات ليوناردو بدأت بفنه[(]1)، بالباعث إلى بحث واستقصاء خواص وقوانين الضوء واللون والظلال والمنظور. وكان يتمنى أن يسود اتقان الطبيعة، وأن يتأكد فعلا من سيادته له، وأن يتمكن من أن يهدي الآخرين إلى الطريق إلى ذلك. وربما كان ليوناردو قد غالي في تلك الأيام في قيمة هذه المعرفة بالنسبة للفنان. ولقد اندفع، بحكم تتابع السلسلة وحاجة المصوّر، ‘لى المزيد من البحث والتقصّى، ثم المزيد من بحث موضوعات فن التصوير، كالحيوانات والنباتات ونِسَب الجسم البشري، وأن يتابع الطريق المؤدية به من هيكلها الخارجي إلى تركيبها الداخلي ووظائفها الحيوية، والتي تعبر عن نفسها حقاً في الأشكال الخارجية لها والتي ينبغي أن يصوّرها الفن. وتأدّى به الأمر في النهاية أن تدفعه تلك الرغبة العارمة الطاغية أمامها حتى انقطعت به الصلة عن متطلبات فنه، واكتشف القوانين العامة للحركة، وحدس تاريخ تطبُّق (من طبقات) وتحفير وادي أرنو، وحتى استطاع أن يدوّن في كتابه بالحروف الكبيرة «إن الشمس لا تتحرك Il sole non si move». وهكذا أمتدت بحوثه واستقصاءاته إلى كل مجالات العلم الطبيعي تقريباً، وفي كل منها كان ليوناردو مكتشفاً، أو على الأقل نبياً[(]1) وصاحب طريقة[(]2). واستمر حبّ استطلاعه متّجهاً إلى العالم الخارجي، وباعدَ شيءٌ بينه وبين استقصاء الحياة النفسية للناس، وكان هناك مكان صغير لعلم النفس في أكاديمية ڤينيسيا التي رسم لها شعارات فنية جداً وشديدة التعقيد.

وعندما حاول من بعد أن يعود أدراجه من استقصاءاته إلى الفن الذي بدأ منه، أحسّ أن دروب اهتماماته الجديدة والطبيعة المتغيّرة لعمله النفسي ما تزال تقلقه. وكانت الصورة التي تشده أكثر من غيرها مشكلةً، وخلف هذه المشكلة كان يرى مشاكل أخرى عديدة في طريقها إلى الظهور، وهو نفس ما كان قد اعتاده في استقصاءاته اللانهائية المتعذر الفصل فيها في مجال التاريخ الطبيعي. ولم يعد بقادر على الحّد من مطالبه، وعلى عزل عمل الفن، وعلى انتزاعه من هذا الارتباط الشديد بالعلم الذي كان يعرف أنه يشكّل جزءاً منه. وبعد محاولات مضنية لإخراج كل ما بنفسه تعبيراً، وكل ما يرتبط به في أفكاره، اضطر إلى تركه ناقصاً، أو إلى الإعلان عن عدم اكتماله.

وحاول الفنان مرةً أن يلحق الباحث بخدمته لمساعدته، ولكن الخادم صار الآن هو الأقوى وأخضع سيده.

وعندما نعثر في صورة إنسان على باعث مفرد واحد قد نمى نمواً ظاهراً، محُب الاستطلاع في حالة ليوناردو، فإننا نفتش عن التفسير في الجِبِلّة[(]1) الخاصة به، وفي احتمال وجود عوامل حتمية عضوية لا نعرف عنها شيئاً. وتدفعنا دراستنا التحليلية النفسية للعصبيين إلى التفتيش عن عنصرين نتوقع وجودهما، ونحب أن نتحقق من هذا التواجد لهما في كل حالة. وإننا لنرى احتمال وجود وفاعلية هذا الباعث الشديد القوة في طفولة الشخص الباكرة، واحتمال أن يكون تسلطه الطاغي قد ثبت بانطباعات الطفولة، ونفترض تبعاً لذلك أنه نشأ أصلاً بفعل قوى جنسية محرّكة واعتمد عليها في ترسيخه، حتى ليأخذ من بعد مكاناً في الحياة الجنسية. وإن هذا الشخص ليبحث مثلاً، ويتقصّى ويتحرى بكل هذا التفاني الُمَولّه، تفان وتكريساً يهبهما شخص آخر لحبه. وهكذا نجده يتقصّى بدلاً من أن يُحبّ، ويتفاني في الاستقصاء بدلاً من أن يتفاني في الحب، وإننا لنجازف بأن نختم فنقول إنه يدعّم الجنس في باعث الاستقصاء، وأيضاً في كل الحالات الأخرى التي لها حدة الباعث الخاصة.

وتطلعنا ملاحظة الحياة اليومية على أشخاص لهم القدرة على توجيه جزء كبير من قواهم الجنسية الدافعية إلى أوجه النشاط المهني والعملي التي يمارسونها. وهذا الدور يناسب الدافع الجنسي بصفة خاصة، لأنه قد وُهب القدرة على التسامي، أي القدرة على تغيير هدفه الأقرب إلى أهداف أخرى لها قيمة أكبر وليست جنسية. وإننا لنعد هذه العملية كشيء ثابت فعلاً، إذا أوضح تاريخ طفولة الشخص أو تاريخ تطوره النفسي أن هذا الباعث القوى كان في خدمة أهداف جنسية. وإننا لنعدّه برهاناً إضافياً عندما تتجنب الحياة الجنسية لسنوات النضج توقفاً ملفتاً عن النمو، كما لو كان جزء من النشاط الجنسي قد حلّ محله الآن نشاط الدافع المسيطر.

الصفحات