كتاب " ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ " ، تأليف سيجموند فرويد ، ترجمة د.عبد المنعم الحفني ، والذي صدر عن
أنت هنا
قراءة كتاب ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
وإني لأطلب من القارئ الهدوء للحظة، وألا يغضب فيرفض متابعة التحليل النفسي بحجة أن تطبيقاته الأولى أدّت إلى وصمة لا تُغتَفر لذكرى إنسان عظيم طاهر. ولكن هذا الغضب لن يحلّ لنا معنى وَهْم طفولة ليوناردو؛ ثم إن ليوناردو قد اعترف بوهمه بطريقة لا تدع مجالاً لشك، ولذلك فنحن لن نتخلى عن توقّع – أو إن شئت، عن الفكرة المسبقة التي لدينا – أن يكون للوهم بعض المعنى أسوةً بكل المنتجات النفسية كالأحلام والرؤى والهذيان، وبناءً عليه أدعوك إلى أن تصغى بأذنين غير منحازتين لبعض الوقت، إلى ما يقوله التحليل النفسي الذي لم يقل كلمته الأخيرة حتى الآن.
إن رغبة إدخال عضو الذكورة في الفم ومصّه، وهو ما يعد عموماً أكثر الانحرافات الجنسية المقزّزة، شيء شائع مع ذلك بين نساء اليوم، وكما توضحه التماثيل القديمة، كان كذلك في الأزمان الباكرة، وهو يفقد تماماً صفة التقزّز عندما يتم في حالة الحب. ويلتقي الطبيب بأوهام تقوم على هذه الرغبة، حتى بين نساء لم يحدث أن قرأن عن شيء كهذا، كما يحدث للبعض اللاتي يقرأن كتاب كرافت إيبنج[(]1) «الاعتلال النفسي الجنسي»، أو عرفن بأخباره من أي مصدر. ويبدو أن النساء يسهل عليهن أن يفرزن تلقائياً أوهاماً وأماني كهذه، وهنا نعلم من بحوث علم النفس أن مثل هذا الموقف، وقد أدانته العادة بشدة، يمكن تتبعه إلى أكثر الأصول مسالمة. وهو موقف ليس إلا تطويراً لموقف آخر أحسسنا فيه يوماً ما بالراحة. هذا الموقف الآخر هو سنّ الرضاعة (عندما كنت ما أزال في المهد) - عندما كنا نضع أثداء أمهاتنا أو مرضعاتنا في أفواهنا ونمصّها. ويظل الأثر العضوي لهذه اللذة الأولى في حياتنا أثراً مطبوعاً فينا لا يمّحى. وعندما يتعلم الطفل فيما بعد أن للبقرة ضرعا، وأن وظيفته هى وظيفة الثدي، ولكنه يرى له شكلاً ومكاناً على بطن البقرة يشبه القضيب، فإن انطباعاً معيناً أولياً يتخلّف لديه ويكون أساساً لما يتشكّل لديه فيما بعد من ذاك الوهم الجنسي المُقزِّز.
وهكذا نكون قد فهمنا سبب إرجاع ذاكرة ليوناردو لتجربة النسر المزعومة إلى فترة الرضاع، فهذا الوهم لا يخفى شيئاً قليلاً أو كثيراً إلا ذكرى من ذكريات الرضاع، أو الإرضاع، على ثدي الأم، وهو مشهد جميل وإنساني، ظل ليوناردو وغيره من الفنانين يحاولون رسمه بالفرشاة في شكل أم الإله وطفلها.
ولكننا نلاحظ شيئاً لم نفهمه بعد، فرغم أن هذه الذكرى شيء مفهوم لدى الجنسين من الرجال والنساء، إلا أن الرجل ليوناردو غيّرها إلى وهم لوطي سلبي. ولن نناقش حالياً العلاقة المحتملة بين الشذوذ الجنسي ومص ثدي الأم، وسنذكر فقط أن الرواية جعلت من ليوناردو شخصاً له أحاسيس شاذة جنسياً، أي شخصاً لوطياً. ولن يشغلنا حالياً صحة أو زيف هذا الاتهام للصبي أو الشاب ليوناردو، لأن طبيعة الإحساس، وليست الممارسة الفعلية للشذوذ الجنسي، هى التي تقرر لنا ما إذا كان من الممكن أن ننسب صفة الشذوذ الجنسي للشخص.
وثمة سمة غير مفهومة أخرى في وَهْم ليوناردو الطفولي تثير انتباهنا، فالأم المفروض أن ترضع الطفل يحلّ محلها في الوهم النسر، فما أصل هذا النسر وكيف جاء إلى هذا المكان؟
هنا يخطر على البال خاطر معين حتى ليغرى بعده على إسقاطه، فمن المسلم به أن الكتابات الهيروغليفية المقدّسة في مصر القديمة كانت تصوِّر الأم في صورة نسر[(]1). وعَبَد هؤلاء المصريون إلاهة، إمّا كان رأسها على شكل رأس نسر، أو كانت لها عِدّة رءوس منها رأس - أو رأسان على الأقل - كهيئة رأس النسر[(]2). وكان اسم هذه الإلاهة مت Mut. وقد نتساءل ما إذا كان التشابه بين نطق مت Mut وبين نطق أم Mutter مسألة صدفة؟ وإذن فهناك ارتباط ما حقيقي بين النسر وبين الأم، لكن ما قيمة ذلك بالنسبة لنا؟ وهل يحق لنا أن ننسب هذه المعلومة لليوناردو مع أن فرانسوا شمبيلون نجح لأول مرة في قراءة الرموز الهيروغليفية بين سنتي 1790 و1832؟[(]1)
وقد يثير اهتمامنا أن نكتشف السبب الذي حدا بالمصريين أن يختاروا النسر كرمز للأمومة. والواقع أن الإغريق والرومان اهتموا علمياً بالدين والثقافة المصرية، وقبل أن نتمكن نحن من قراءة الآثار المصرية، كانت لدينا بعض المعلومات عنهما بلغتنا من الأعمال المحفوظة عن الآثار القديمة. وبعض هذه الكتابات قام عليها كُتّاب مشهورون مثل: سترابو، وبلوتارك، وأمنيانوس، ومارسيلوس، بينما كان لُكتّاب آخرين أسماء غير مألوفة، وأصلهم وزمنهم مشكوك فيهما، مثل كتابات هورابوللو نايلوس الهيروغليفية، وكِتاب الحكمة الكهنوتية الشرقية القديم الذي يحمل اسماً إلهياً Hermes Trismegistos. ونعلم من هذه المصادر أن النسر كان رمزاً للأمومة، لأن القدامى كانوا يعتقدون أن هذا الضرب من الطيور كان كله من الإناث وليس فيه ذكور[(]2)! ويضع التاريخ الطبيعي للقدماء خنافس الجُعْل أو الخنافس السوداء ضمن نفس المرتبة، ويقدّسها المصريون القدامي ويقولون إنها كلها من الذكور وليس فيها إناث[(]1).
فكيف يتم الحمل في النسور إذا كانت كلها إناث؟ نجد الجواب كاملاً في فقرة من هورابللو[(]2)، وعنده أن تلك الطيور في وقت معين تفتح مهابلها فتنكحها الرياح!
وأعتقد الآن أننا بلغنا فجأة نقطة يمكن أن نصدق فيها الأمور ونقول بأن إمكان حدوثها شيء محتمل، وكنا منذ وقت قصير نرفض أن نصدّق ما يقال ونحكم عليه بالزيف والسُّخف. وربما كان ليوناردو عارفاً بالأسطورة العلمية التي بمقتضاها صوّر المصريون فكرة الأم في صورة النسر. وكان ليوناردو قارئاً نَهِماً شملت اهتماماته كل مجالات الأدب والمعرفة. وفي كتاب Codex Atlanticus ثبتٌ بكل الكتب التي كانت بحوزته في يوم من الأيام[(]3)، وملحوظات عديدة لكتب أخرى اقترضها من أصدقائه. ولكننا لن نكون مبالغين كثيراً في عدد ما قرأ من كُتب، مستندين في ذلك إلى المقتطفات التي جمعها Fr. Richter[(]1) من رسومه. وضمّت هذه الكتب فيضاً من المؤلّفات القديمة والمعاصرة في التاريخ الطبيعي، وكانت كل هذه الكتب متداولة في زمنه، وتصادف أن ميلانو كانت مركز فن الطباعة الحديث في إيطاليا.


