كتاب " ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ " ، تأليف سيجموند فرويد ، ترجمة د.عبد المنعم الحفني ، والذي صدر عن
أنت هنا
قراءة كتاب ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
ويبدو أن تطبيق هذه الفروض على حالة الدافع إلى الاستقصاء المسيطر يصادف عراقيل خاصة، لأن هناك من يرفض الموافقة على أن هذا الدافع الخطير يوجد لدى الأطفال، أو أن الأطفال لديهم أية اهتمامات جنسية، ومع ذلك فتجنب هذه العراقيل أمر سهل، فما نلاحظه من لذة لا تُخمد لدى الأطفال الأسئلة ليبرهن على أن لديهم حب استطلاع يحير الشخص الكبير طالما أنه لا يفهم أن هذه الأسئلة ما هى إلا إسهاب ومواربة تدور حول المعنى، وأنها أسئلة لن تنتهي، لأن الطف يرغب أن يحل سؤال واحد محل كل تلك الأسئلة، ولكنه لا يزال غير قادر على أن يفعل ذلك، ولكنه عندما يكبر ويفهم أكثر تختفي لديه ظاهرة حبّ الاستطلاع هذه فجأة. ويعطينا الاستقصاء التحليلي النفسي تفسيراً كاملاً لذلك، ويعلمنا أن الكثير، بل ربما أغلب الأطفال، وعلى الأقل أعظمهم موهبة، يمرون بمرحلة تبدأ في السنة الثالثة، يمكن أن نسمّيها مرحلة الاستقصاء الجنسي الطفلي. وعلى قدر ما نعرف، لا يستيقظ حبّ الاستطلاع لدى الأطفال في هذه السن تلقائياً، ولكنه يستثار من خلال تأثير تجربة هامة، بميلاد أخ أو أخت صغيرة، أو من خلال الخوف الذي تفجره تجربة خارجية برؤية الطفل لخطر يهدد مصالحه الذاتية. ويوجه الاستقصاء نفسه بطرح السؤال: من أين يأتي الأطفال؟ كما لو كان الطفل يتلفت حوله باحثاً عن وسيلة يحمي بها نفسه ضد حادث كهذا غير مرغوب فيه. ولقد أدهشنا أن نجد أن الطفل يرفض تصديق ما يُنقل إليه من معلومات، ومن ثم فهو يرفض بهمة الأسطورة المحبوكة التي تقول أنَ طائر اللقلاق هو الذي حمله إلى الوالدين، ومن ثم يبدأ استقلاله النفسي الذي يرجع تاريخياً إلى حادث عدم التصديق هذا، ويبدأ يحس من بعد أنه يختلف كثيراً اختلافاً بيّناً عن الكبار، ولا يغفر لهم أبداً أنهم خدعوه، وأخفوا عنه الحقيقة يوم أن طلبها، ومن ثم يبدأ الطفل يستقصى بنفسه وبطريقته، وسرعان ما يحدس رحلته في رحم الأم. ولأنه يحسّ أحاسيس جنسية خاصة به فإنه يبدأ يشكّل لنفسه نظريات حول حقيقة أصل الأطفال، ويخمن أنهم ربما أتوا من الطعام، وأنهم يولدون عن طريق الأمعاء، ويبدأ تخمينه لدور الأب الذي يشق عليه تفهمه. وحتى في ذلك الوقت فإن الطفل تتكوّن لديه فكرة غامضة عن الفعل الجنسي الذي يراه فعلاً معادياً وعنيفاً، ولكن حيث أن بناءه الجنسي لم يكتمل بعد، ولم يصبح كفئاً لمهمة إنتاج الأطفال، فإن سؤاله عن المكان الذي تأتي منه الأطفال لابد أن يجنح كذلك، ولابد أن يهمل في المكان الحرج الذي توقف عنده بوصفه سؤالاً ناقصاً. ويبدو أن لهذا الفشل في أولى محاولات الاستقلال الفكري تأثيراً له طبيعة تُوقع الكآبة في النفس بشكل حاد ودائم[(]1).
فإذا توقفت مرحلة الاستقصاء الجنسي الطفلي من خلال القوة المحرّكة لكبت جنسي فعّال، فإن الارتباط المبكر بالاهتمام الجنسي قد ينتج ثلاثة احتمالات مختلفة تتعلق بمصير الباعث على الاستقصاء، فإما أن يشارك الاستقصاء النشاط الجنسي مصيره، فيظل حبّ الاستطلاع من الآن فصاعداً مكفوفاً ويضيق النشاط الحرّ للذكاء لمدى الحياة؛ ويقوّى هذا الاتجاه، فيما بعد، التعاليم والزواجر الدينية القوية، وهذا هو طابع الكف العصابي؛ ونعرف جيداً أن هذا الضعف العقلي المكتسب بهذه الطريقة يتيح أكبر فرصة لاندلاع المرض العصابي. وفي النمط الثاني قد يكون التطور الفكري بالقوة التي تمكنه من تحمّل الكبت الذي يفت فيه، وأحياناً - وبعد اختفاء الاستقصاء الجنسي الطفلي، يساعد التطور الفكري الارتباط القديم كي يتحاشى الكبت الجنسي، ويعود الاستقصاء الجنسي المكبوت من اللاشعور في شكل استدلال قهري، ولن يكون بالطبع إلا استقصاء مشوّهاً وليس حرّاً، ولكنه استقصاء فيه قوة حتى ليجعل الفكر نفسه جنسياً ويركز العمليات الفكرية على اللذة والحصر إزاء العمليات الجنسية الفعلية. وهنا يتحوّل الاستقصاء إلى نشاط جنسي، وغالباً ما يُقصِر نفسه على النشاط الجنسي، ويحل الإحساس بحّل المشكلة أو تسويتها، وبتفسير الأشياء تفسيراً عقلياً، محل الإشباع الجنسي، ولكن سمة الغموض التي كانت للاستقصاء الطفلي تكرّر نفسها أيضاً بأن تجعل الاستدلال لا نهائياً، وبأن يتراجع الشعور الفكري بالحل المرغوب تراجعاً مستمراً مبتعداً.
أما النمط الثالث، وهو أندر الأنماط وأكملها جميعاً، فبفضل ما يتصف به، يفلت من الكف الفكري والاستدلال القهري، ويتم هنا أيضاً الكبت الجنسي، ولكنه كبت لا ينجح في تحاشي بعض من باعث اللذة الجنسية الصادرة عن اللاشعور. ويفلت اللبيدو[(]1) من مصير الكبت بالتسامي منذ البداية وبأن يكون حُباً للاستطلاع، وبأن يُدعِّم ويُعزّز الدافع القوي للاستقصاء والبحث. وهنا أيضاً يصبح الاستقصاء، إلى حد ما، قهرياً وبديلاً عن النشاط الجنسي، ولكن بسبب اختلاف العملية النفسية التي وراءه اختلافاً مطلقاً (التسامي بدلاً من طغيان اللاشعور) تبوء طبيعة العصاب في التعبير عن نفسها، ويختفي الخضوع للعقد الأصلية للاستقصاء الجنسي الطفلي، ويصبح في إمكان الدافع إلى الاستقصاء أن يُلحق نفسه بحرية في خدمة الاهتمام الفكري، وأن يدين بالولاء للكبت الجنسي الذي جعله قوياً هكذا بأن يلحق به اللبيدو المتسامي، ويقدم له فروض الطاعة بتحاشي الانشغال بأية أفكار جنسية.
وعندما نرى أن الدافع القوى للاستقصاء يلتقي عند ليوناردو بتوّقف الحياة الجنسية التي اقتصرت على ما يمكن تسميته بالجنسية المثلية المثالية، نميل إلى اعتبار ليوناردو نموذجاً للنمط الثالث، ونرى أنه بعد أن وظّف حّب استطلاعه الطفلي في خدمة اهتماماته الجنسية، استطاع حينئذ أن يتسامى بالجزء الأكبر من قوته الحيوية الدافعة (اللبيدو) في الدافع إلى الاستقصاء، وكان هذا هو نواة وسِرّ طبيعته، ولكنّ إثبات هذه النظرية ليس سهلاً بالتأكيد. ولكي نبرهن على ما نقول لابد لنا أن نغوص في التطور النفسي لسنوات طفولته الأولى، ولكن من العبث أن نأمل في الحصول على المادة التي نريدها طالما أن المعلومات عن حياة ليوناردو ضئيلة وغير مؤكدة. وبالإضافة إلى ذلك فنحن نعالج معلومات عن مواقف ينكص الناس حتى من جيلنا عن لفت نظر القارئ إليها.
ونحن لا نعرف إلا القليل عن صبا ليوناردو، فلقد ولد سنة 1452 في مدينة فينشي الصغيرة بين فلورنسا وإيمبولي، وكان طفلاً غير شرعي، ولم يكن ذلك بالوصمة الشنيعة في تلك الأيام، وكان أبوه، سير بيرودافينشي، كاتب عدل وسليل أسرة كلها كتبة عدل ومزارعون، واكتسبوا اسمهم من اسم المدينة، وكانت أمه تدعى كاتيرينا، ومن المحتمل أنها كانت فلاحة تزوّجت من بعد فلاحاً من فينشي. وليس ثمة أثر آخر لأمه في حياة ليوناردو، ولم يقل أحد أنه يعرف شيئاً آخر عنها إلا الكاتب ميريكوفسكي الذي ادّعى أنه قد عثر على بعض آثارها، وليس ثمة معلومات محدّدة عن طفولة ليوناردو إلا ما تمدّنا به وثيقة رسمية ترجع إلى سنة 1457، وهى عبارة عن سجل ضرائب لفلورنسا، ذكر فيه اسم ليوناردو الفينشي بين أسماء أعضاء أسرة سير بييرو، كطفل غير شرعي في الخامسة من عمره[(]1) ولم ينجب سير بييرو من زوجته دونا ألبييرا، ولذلك رَبِّي ليوناردو في بيت أبيه، ولم يتركه إلا عندما التحق صبياً باستديو أندريا ديل فيروشيو، ولا نعرف متى كان ذلك. وفي سنة 1472 نعثر على اسم ليوناردو في سجل أعضاء Compagnia dei Pittori، وهذا هو كل ما نعرفه.


