كتاب " ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ " ، تأليف سيجموند فرويد ، ترجمة د.عبد المنعم الحفني ، والذي صدر عن
أنت هنا
قراءة كتاب ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
وتظهر شخصية الإنسان ليوناردو سمات أخرى غريبة ومتناقضات واضحة، ويبين فيها بعض التواني واللامبالاة. وفي الوقت الذي يسعى فيه كل فرد إلى بذل أقصى نشاطه، وهو مالا يمكن أن يتم دون تطوير ميوله العدوانية الدءوبة على الآخرين، كان ليوناردو يُدهش كل الناس بمسالمته، وبزهده عن كل ما يتنافس عليه الناس، وبترفعه عن كل ما يثير الجدل والنزاع. وكان رقيق الحاشية حانياً على الجميع، وقيل إنه كان يرفض أن يقتات باللحم لأنه لم يكن يرى من حقه أن يسلب الحيوان حياته. وكان شراء الطيور في أقفاصها من الأسواق وإطلاق سراحها مصدراً من مصادر بهجته[(]1). وأدان ليوناردو الحرب وسفك الدماء، ونصّب الإنسان لا ملكاً على عالم الحيوان ولكنه اختاره كأسوأ الحيوانات المتوحشة[(]2). ولكن هذه الرّقة المتأنثة لم تمنعه من السير وراء المجرمين المحكوم عليهم بالإعدام في طريقهم إلى المقصلة، لدراسة ملامحهم التي يشوهها الخوف، ورسْم مسودات لهم. ولم تمنعه أيضاً من اختراع أقسى الأسلحة الهجومية، ومن الدخول في خدمة سيزار بورجيا كرئيس لمهندسيه العسكريين. وبدا في كثير من الأوقات وكأنه لا يهتم بما هو طيّب وبما هو شر، أو أنه راغب إلى معيار معين. واحتل منصباً كبيراً في حملة سيزار التي درّت على أعتى أعدائه وأغلظهم قلباً امتلاك الروماجنا. ولم يعثر أحد على سطر واحد في مسودات ليوناردو تفصح عن أي نقد أو تعاطف مع أحداث تلك الأيام. ومقارنته في هذا الخصوص بجوته[(]1) خلال الحملة الفرنسية مقبولة ولا نرفضها تماماً.
وإذا كان من الممكن محاولة النفاذ إلى الحياة النفسية لأحد الناس من خلال جهد التأريخ لحياته، فإن هذه المحاولة لا يجب أن تمر في صمت، كما يحدث في أغلب السير عن حكمة أو تحفُّظ، على النشاط الجنسي أو الخاصية الجنسية لصاحب السيرة. وما نعرف من ذلك عند دانتي إلا النزر اليسير، ولكنه مليء بالدلالة مع ذلك. وفي زمنٍ تمّيز بالصراع المستمر بين الفسق المتمرد والزهد الخالص كان ليوناردو مثلاً للرفض الجنسي البارد الذي لا نتوقعه من فنان ومصوّر للجمال الأنثوي. ويردد سولمي[(]2) الجملة التالية عن ليوناردو مدللاً على بروده الجنسي: «إنّ عملية التناسل وكل ما يمت لها بصلة لمقززة، ومع ذلك سرعان ما يموت البشر ما لم تكن هذه العملية عادة متأصلة، وما لم توجد الوجوه الحلوة والميول الجمالية». وإن أعماله التي ظهرت بعد وفاته، والتي تتناول أكبر المسائل العلمية، وتضم في نفس الوقت موضوعات من أكثر الموضوعات سذاجة، حتى لتبدو لنا غير لائقة بعقلية مثل عقلية ليوناردو (قصص رمزية من التاريخ الطبيعي وأساطير حيوانية ومُلَح ونبوءات)[(]1) - أعماله هذه تتسم بعفة مبالغة حتى ليمكن وصفها بأنها زاهدة، وحتى لتثير في مجال الأعمال الفنية العجب لزهدها حتى في أيامنا هذه . وهى تتحاشى تماماً كل ما هو جنسي، وكأن الإيروس[(]2) وحدها التي تحفظ كل شيء حياً مادة مهملة لا تستثير الدافع العلمي للباحث[(]3). ومن المعروف أن الفنانين الكبار كثيراً ما يجدون لذة في تجسيد خيالاتهم في أشكال جنسية، وربما كانت مسرفة في جنسيتها حتى الدعارة، ولكن ليوناردو، عكس ذلك، لم يترك سوى بضعة رسوم تشريحية لأعضاء المرأة الداخلية الجنسية، ولوضع الطفل في الرحم إلخ.
ومن المشكوك فيه أنه كانت لليوناردو علاقة غرامية بامرأة، ولم يعرف أحد أن له صلة روحية حميمة بأية سيدة كالتي كانت بين ميخائيل أنجلو وبين فيتوريا كولونا. وعندما كان ما يزال يعيش في بيت معلمه فيروشيو، يظله مع غيره من التلاميذ الصغار، اتهم بالشذوذ الجنسي ولكنه بُرأ منه. وربما كان سبب ذلك أنه استخدم صبياً له سمعة سيئة كموديل له. وعندما صار أستاذاً أحاط نفسه بصبيان وشبان لهم وسامة ملحوظة، اتخذهم تلاميذ له، وكان آخرهم فرانسيسكوميلزى، الذي رافقه إلى فرنسا وبقى معه حتى وفاته، وعيّنه ليوناردو وريثاً له. وإني لا أشارك المؤرخين المحدثين فيما يذهبون إليه من آراء تبلغ حد اليقين، رافضة بطبيعة الحال إمكان قيام علاقة جنسية بينه وبين تلاميذه، بحجة أنها إهانة لا أساس لها من الصحة تلحق برجل عظيم كهذا، وأعتقد أن الشيء الأكثر احتمالا ان ما قام من علاقات وطيدة بين ليوناردو وهؤلاء الشباب لم يؤد إلى ممارسة جنسية، وأكثر من ذلك أني لا أنسب إليه إفراطاً في الممارسة الجنسية.
ولا يمكن أن نفهم تفرّد حياته العاطفية والجنسية فيما يتعلق بطبيعته المزدوجة كفنان وكباحث إلا بهذه الطريقة. وعندي أن المؤرخين الذين يجهلون وجهات النظر السيكولوجية لم يقترب أحد منهم من حل اللغز سوى إدم سولمي Edm.Solmi. ولكنّ كاتباً مثل ديمترى سير جيفتش ميريكوفسكي[] اختار ليوناردو كبطل لروايته التاريخية الطويلة، وبرر اختياره على أساس هذا الفهم لهذا الإنسان غير العادي، وعّبر عن ذلك تعبيراً تشكيلياً شعرياً. ويقضى سولمي في ليوناردو قائلاً: «ولكن رغبته التي لم تشبع لفهم كل ما يجرى حوله، ولسير أعمق أسرار كل ما هو كامل بالتفكير البارد، كل ذلك قضى على أعمال ليوناردو بأن تظل ناقصة»[(]2). وفي مقال منشور بكتاب Conferenze Fiorentine تسجيل لأقوال ليوناردو التي تكشف عن إيمانه وتزودنا بمفتاح شخصيته. وهو يقول: إنّ المرء لا يحقّ له أن يحب أو أن يكره أي شيء ما لم تتحقق له المعرفة الكاملة بطبيعته[(]1). ويكرر ليوناردو هذا القول في فقرة من «مقال عن فن التصوير»، يدافع فيه عن نفسه ضد اتّهامه بالإلحاد، يقول: «لكن أمثال هؤلاء النقاد ربما كان من الأوفق لو صمتوا، لأنه بالمعرفة يتم التعرف إلى روائع الأشياء، وبهذه الطريقة يتحقق حب مكتشف عظيم كهذا، لأن الحب العظيم في الواقع لا يتأتّى إلا بالمعرفة الكاملة بموضوع الحب. وإذا كنت غير قادر إلاّ على القليل من المعرفة به، فإنك لن تستطيع أن تحبه إلا أقل الحب إن لم تحبه إطلاقاً»[].
ولا توجد أية قيمة سيكولوجية لأقوال ليوناردو هذه. وما تدلّ عليه لا يعدو أن يكون زيفاً واضحاً، ولابد أن ليوناردو كان يعرف ذلك كما نعرفه نحن، فليس صحيحاً أن الناس تمتنع عن الحب أو الكراهية حتى تدرس وتألف طبيعة الموضوع الذي تهفو إلى إسلامه مشاعرها، وعلى العكس فإن الناس تحب تلقائياً، يهديها في ذلك دوافعها العاطفية التي لا شأن لها بالمعرفة، وأن نتائج حبّها يضعفها الفكر والتفكير. وربما كان ليوناردو يعني أنّ الحب، كما يمارسه الناس، ليس بالحبّ السليم الذي لا غبار عليه، وأن على المرء أن يحبّ الحبّ الواجب بأن يقيّد عواطفه وأنْ يُخضعها للفحص العقلي، فإذا اجتازت اختبار العقل أطلق لها العنان؛ وعلينا أن نفهم بناءً على ذلك أنه يريد أن يقول لنا أن هذا هو الشأن معه، وأن على كل الناس الآخرين أن يُعاملوا الحب والكره كما يعاملهما هو.
ويبدو أن الأمر كان معه فعلاً كما قال، فكان متحكماً في مشاعره، وكان يخضعها لدافع التدقيق. ولم يحدث أنْ أحبّ أو كره إلا وسأل نفسه عن حقيقة مشاعره وعن ماهية ما يحب أو يكره، وما الذي يعنيه ذلك، وبذلك اضطر في أول الأمر إلى أن يبدو غير مبالٍ بالخير أو بالشر، ولا بالجمال أو القبح. ولقد نزع عن الحب والكره ثيابهما وحولهما إلى اهتمام فكري، ولم يكن ليوناردو في الحقيقة إنساناً بارد الحسّ، ولم يعدم الشرارة المقدّسة التي تكمن كقوة دفع مباشرة أو غير مباشرة خلف كل نشاط بشري. ولم يفعل سوى أن أحال انفعالاته وآلامة إلى عاطفة بحث ورغبة في التحرّي، ثم انهمك في الدراسة بمثابرة واستقامة وغزارة يغذيها الانفعال والآلام. وعلى قمة العمل النفسي، وبعد أن تتحقق له المعرفة، كان يسمح للانفعال الذي طال حبسه أن يفك إساره وأن يتدفق بحرية كنهير، بعد أن يحقق لنفسه عمله. وعلى قمة معرفته، وعندما كان يستطيع أن يختبر جزءاً كبيراً من الكل، كان يتملكه الشجن، وفي كلمات منتشية كان يمتدح روعة ذاك الجزء من الإبداع الذي درسه، أو مغلِّفاً كلماته بغلاف ديني، كان يمتدح عظمة المبدع الخالق. ولقد أحسن سولمي حدس هذه العملية التحويلية في ليوناردو. وطبقاً لما يقوله في مثل هذه الفقرة، وفيها يُحيِّى ليوناردو الدافع الأعلى للطبيعة فيقول: مثل هذا التغير الذي يحدث في شكل العِلم والطبيعة، محيلاً إياهما إلى انفعالات، أو ربما يمكن أن نقول إلى دين، هو إحدى السمات الرئيسية لكتابات فينشى، والتي نعثر عليها معبَّراً عنها مئات المرات. (Solmi: La Recurrezione, etc. p. 11).


