أنت هنا

قراءة كتاب ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ

ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ

كتاب " ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ " ، تأليف سيجموند فرويد ، ترجمة د.عبد المنعم الحفني ، والذي صدر عن

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
دار النشر: مكتبة مدبولي
الصفحة رقم: 3

وتضم أعمال ليوناردو لوحتين له في شبابه وكهولته، ونحسّ من لوحة شبابه أنه كان فتى جميلاً، وكانت له، كما يذكر مؤرخه فاسارى وغيره من المؤرخين، مقاييس جسمية غاية في التناسق، كما كان يحبّ الملابس الزاهية والأبهة والرفاهية.

وهناك أروع لوحاته والأسطورة الخالدة على مرّ الزمان، وهى لوحة الموناليزا ديل جيوكندا، وهى نموذج للإضاءة الكاملة التي تتساوى في الشدّة، حتى بالنسبة للصخور والسماء في الخلفية، وكانت الابتسامة الغامضة الملغزة وسيلة ناعمة لإحداث الانكسار المطلوب في الإضاءة، وكانت كأنما هى البؤرة المولِّدة للضوء، وكأنما اللحظة لا يمكن أن تتكرر، وكأنما هى لحظة تبلغ في روعتها حّد التفرُّد، وبالفعل لم يكرر ليونارُّدو هذا الأسلوب المركّز على شدة الإضاءة.

وتعد لوحته "ليدا" نقطة تحوّل في فن التصوير، وعاملاً مؤثراً في تاريخ الفن الأوروبي. واللوحة حافلة بالعناصر الدينامية المعقّدة، فهناك الجسم الملتوى الذي صار عَلَماً ونموذجاً لكل الأجسام الكلاسيكية في القرن السادس عشر.

ويتحدث فرويد عن أثر ابتسامة الموناليزا على لوحاته اللاحقة، ويضرب لذلك المثل بلوحاته: "الأسرة المقدسة"، أو "القديسة آن والعذراء والطفل"، وتظهر الابتسامة من جديد ولكن بشكل متطوّر.

وفي لوحة "يوحنا المعمدان"، تبدو طريقة ليوناردو في استغلال الضوء، الذي يصفّيه وهو يخرج من الخلفية المظلمة إلى المستويات المتقدّمة للوحة، ليعطى الإحساس بالمساحة، وليزيد ملامح الوجه تعبيراً، مختلطاً أو مندمجاً في الوجه وهو يبتسم في غموض، وفي الجسم وهو يميل للأمام، وفي الإصبع وهو يرتفع في رمزية. ونجد هنا أن يوحنا لم يعد الصوت المدوّى في الفلاة، ولكنه إنسان يحمل سرّاً، أو هو شاهد على سر، ووسيلة لإدراك جوهر الإنسانية وكل الوجود.

وفرويد – مؤلف هذا الكتاب، هو مؤسس مدرسة التحليل النفسي، من مواليد فرايبورج بالنمسا سنة 1856، وتعَلّم في ڤيينا متخصصاً في طب الأعصاب، ولكنه بتأثير من أستاذيه شاركو وبروير، وكانا من أعظم الداعين إلى العلاج النفسي، وأصحاب مدرستين فيه، فتحوّل فرويد إلى دراسة الجوانب للأمراض التي يغلب على الإصابة بها التاريخ النفسي للمرضى. واستطاع فرويد أن يطور كشوف شاركوه وبروير، وأن يرسى في بضع سنوات دعائم مدرسته في التحليل النفسي التي ما زالت حتى اليوم تمارس تأثيرها في الحياة الثقافية في العالم العربي والرأسمالي، وأن يعقد أولى مؤتمر عالمي للتحليل النفسي في سالزيورج سنة 1908. ورغم أن تلاميذه من علماء التحليل النفسي بدأوا في الانفصال عنه والانقلاب عليه، ابتداءً من سنة 1911، إلا أنه اعتبر ذلك منهم ظاهرة طبيعية ومتمشيه مع نظريته في التمرد على الأدب الذي يعتبره أصل الشعور بالذنب وأساس الحضارة. وكان ممن انفصلوا عنه محللون كبار أصحاب مدارس كبيرة في التحليل النفسي، وكان منهم: أدلر وشتيكل سنة 1912، ويونج سنة 1914، ورانك سنة 1924. ورغم تمردهم وتأسيسهم لمدارس نفسية منافسة فقد ظلت شخصيته محورية كشخصية هيجل في الفلسفة بالنسبة لمن تمرّدوا عليه من الفلاسفة من تلاميذه. وصار تاريخ حركة التحليل النفسي هو تاريخ التأييد لفرويد من تلاميذه أو تاريخ الخروج عليه منهم. ومن أهم الكتب التي ألّفها كتابه "تفسير الأحلام Die Traumdeutung" (1899 – ترجمة الدكتور عبد المنعم الحفني – مكتبة مدبولي)، ومحاضرات تمهيدية في التحليل النفسي Vorlesungen zur Einfuhrung in die Psychoanalyse. وفرويد متعصب ليهوديته جداً، ونظرياته في التحليل النفسي أصولها توراتية. ومن تعصبه نقده الشديد للألمان، وإدعاؤه أنهم أعدموا إخوته الأربعة ولا دليل واحد على ما يقول. وربما يكون فرويد مخطئاً في نظرياته أو مغالياً فيها، فقد اقتصر بحثه في السلوك العصابي والاستحوازي والاكتئابي عند البالغين، وقَصَر بحثه فيه على مواقف الطفولة ومخاوفها، وكلها مواقف جنسية، ولم يشر إلى أسباب اقتصادية أو إجتماعية أو چينية. والمؤيدون لفرويد يعتبرون اكتشافه للجنسية في الطفولة إسهاماً حقيقياً قامت عليه نظريته في الجنسية التي يفسِّر بها وفي ضوئها دعواه في اللّذة الشرجية والفمية، ويربطها باللذة التناسلية، بدعوة أن اللذة الجنسية تتوزع على مناطق الجسم المختلفة، وتكون مصارد للاستثارة الجنسية تبعاً لمراحل التطور النفسي. ومن رأي فرويد أن الوالدين والمجتمع يعملان باستمرار على تقييد سعي الطفل للإشباع، ويحاولان توجيهه اجتماعياً، ومن ثم كان الطفل عرضة للاضطرابات، وأن لا يتم تطوره في يسر وبلا تناقضات. وفرويد يقول بالصراع Conflict، ومن رأيه أن أطفالنا جميعاً يمرون بصراعات تلعب فيها أحداث الواقع وخيالات الطفل أدواراً رئيسية. واكتشف فرويد أن هذه الخيالات أو الأوهام سمة من سمات الطفولة، ولذلك لم يكن فرويد وهو يصف الموقف الأوروبي بأنه موقف يتميز برغبة طفولية في قتل الأب والزواج من الأم – تقول إنه في قوله ذاك ما كان يقدّم صورة أدبية، ولكنه كان يصف وصفاً مجازياً الأوهام والخيالات الطفولية التي تأتيه تعبيراً عن رغبات يتم في ضوئها فَهْم أسباب الشعور بالذنب والقلق. وهذا الارتباط بين خيالات الطفولة وحوادثها وظهور سمات معينة في البلوغ هو إحدى السمات الكبرى لفلسفة فرويد، وفي ضوئها سنستطيع فهم ما ذهب إليه من معاني الكبت والتسامي واللاشعور، فالتجارب المؤلمة جداً، تدفعها الذاكرة إلى زوايا النسيان، أي يتم كبتها طالما أن الإنسان بطبيعته يسعى للذة، ويفطر للتكيف مع الواقع المادي والاجتماعي، ومن ثم يعاد توجيه لدوافع التي لا تجد لها منصرفاً، أي يتم التسامي بها. وهذا تماماً هو ما حدث مع ليوناردو داڤنشي، فتوجهاته للرسم وللفن عموماً، وشخوصه التي كان يرسمها، كانت تصويراً لما يجري في نفسه من صراعات وتوافقات وتداعيات، حيّرت النقّاد لفنه وجعلتهم يقولون ما قالوا عنه.

تُرَى .. هل وفِّقت فيما أردت شرحه؟

هناك دائماً مسافة بين ما يريد الكاتب وبين تحقُّق إرادته، بين رغبته وبين إنجازه، بين الصورة الذهنية وبين الصورة المتعيّنة على الورق .. ولأني أدرك ذلك وأعرف أن كثيرين يدركون ما أدرك، أحس أنكم ستعذرونني إذا كنت لم أوفق في إيصال ما أريد أن أبلغكم إياه .. والله الموِّفق.

عبد المنعم الحفني

الصفحات