أنت هنا

قراءة كتاب ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ

ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ

كتاب " ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ " ، تأليف سيجموند فرويد ، ترجمة د.عبد المنعم الحفني ، والذي صدر عن

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
دار النشر: مكتبة مدبولي
الصفحة رقم: 9

الفصل الثاني

وعلى قدر ما أعرف لم يحدث أن أذكر ليوناردو شيئاً عن طفولته إلا مرة واحدة في معرض كتاباته. وفي فقرة كان يتحدث فيها عن طيران النسر توقّف فجأة ليتابع ذكرى من سنينه الباكرة طرأت على باله.

«يبدو أنه كان من المقدور علىّ من قبل أن أشغل بالي تماماً بالنسر، لأنه يطرأ على بالي كذكرى باكرة، عندما كنت في المهد، فلقد حّط على مهدي نسر وفتح فمي بذيله وضربني عدة مرات بذيله على شفتي»[].

لدينا هنا ذكرى طفولية ومن أقوى الأنواع بالتأكيد، وهى ذكرى غريبة بحكم محتواها، وبسبب الزمن الذي تحدّدت به، فربما لم يكن من المستحيل أن يستبقى المرء ذكرى حادث وقع له في مرحلة الرضاعة، لكنا لا يمكن أن نأخذها قضية مسلماً بها. ثم أن ذاكرة ليوناردو تقول بأن النسر فتح فم الطفل بذيله وهو أمر غير محتمل ومغرق في الخيال. ولا ريب أن المشهد ليس ذكرى من ذكريات ليوناردو ولكنه وَهْم طاف به فيما بعد، ثم حوّله إلى طفولته. وكثيراً ما تكون لذكريات الطفولة عند الناس أصول لا تختلف عن أصل هذه الذِّكرى عند ليوناردو، ولاريب أن ذكريات الناس عن طفولتهم لم تشكّلها تجارب كالتي تشكل الذكريات الواعية لأحداث زمن النُّضج والتي يثيرها تكرارها، ولكن ذكريات الطفولة تتشكل فيما بعد عندما تكون الطفولة في خبر كان، ولذلك فهى ذكريات لأحداث قد تغيّرت وزُيِّفت وأُلحقت بخدمة الاتجاهات والميول البعدية، ومن ثم فلا يمكن اعتبارها ذكريات بالمعنى الحقيقي وإنما هى لا تفترق عن الأوهام. وربما نستطيع أن نفهم طبيعتها بتذكر الطريقة التي نشأت بها كتابة التاريخ بين الشعوب البدائية، فطالما كان الشعب ضعيفاً وصغيراً فإنه لا يفكر في كتابة تاريخه، وهو يحرث أرضه ويدافع عن وجوده ضد جيرانه ساعياً إلى الاستيلاء على أرضهم ومحاولا الإثراء، ولم يكن زمن الشعوب البدائية زمن البطولات وكتابة التاريخ، ثم جاء زمن آخر، مرحلة تحقيق الذات يحسّ فيه الشعب أنه غني وقوي، وفيه يحس بحاجته إلى اكتشاف أصله التاريخي وتطوّره. وكانت كتابة التاريخ التي بدأت بتتبع تجارب الحاضر والتلفت إلى الماضي، ومن ثم جمعت الأساطير والتقاليد وحاولت تأويل ما عاش من الأزمان القديمة في الأخلاق والعادات، وهكذا خلفت تاريخاً للعصور القديمة، وكان حتمياً أن يكون هذا التاريخ القبلي، أو تاريخ ما قبل التاريخ، تعبيراً عن آراء ورغبات الحاضر أكثر منه صورة طبق الأصل للماضي، لأن ذاكرة الشعوب أفلت منها الكثير، وشوّهت الكثير، وأساءت فهم الكثير، وأوّلت الكثير في ضوء الحاضر، ثم أن الشعوب لا تكتب تاريخها بدوافع من حب الاستطلاع الموضوعي، ولكن لأن المؤرخين يريدون أن يؤثروا على معاصريهم بشكل خاص، وأن يثيروهم وأن يمجدوهم، أو أن يضعوا المرآة أمامهم. والتذكّر الواعي للمرء لتجارب مرحلة نضجه يمكن مقارنتها من كل النواحي بكتابة التاريخ، كما يمكن مقارنة ذكريات الطفولة، نشأتها وحقيقتها بتاريخ ما قبل التاريخ، أو تاريخ المرحلة البدائية لشعب من الشعوب، الذي يجمع فيما بعد ويصحّح عن عمد[].

وإذا لم تكن قصة ليوناردو عن النسر الذي زاره في المهد إلا وهما من أوهام العمر اللاحق، فقد يظن البعض أنها لا تستحق منه عناء التفكير، أو قد يرضيه كتفسير لها إنشغال ليوناردو الصريح بمسألة طيران الطائر، هذا الانشغال الذي يكون أساساً نوهمه. ولكن هذا التقليل من شأن القصة يظلمها، تماماً كالذي يتجاهل مادة الأساطير والتقاليد والتأويلات التي يحفل بها التاريخ الأصلي للشعب. وبرغم كل التشوّهات وسوء الفهم، فإنها ما تزال تمثل حقيقة الماضي، وما تزال تلقى الضوء على ما يفعله الشعب بتجارب ماضيه البدائي تحت تأثير دوافع وجدانية كانت قوية في يوم من الأيام وما تزال حتى الآن. وإذا استطعنا أن نتتبع هذه التشوّهات من خلال معرفتنا بكل القوى الوجدانية، فإننا حتما سنكتشف الحقيقة التاريخية تحت تأثير هذه المادة الأسطورية. ويصدق نفس الشيء على ذكريات الطفولة وعلى أوهام الأفراد. ولا يختلف ما يظن المرء أنه يستدعيه من طفولته عن ذلك في طبيعته. وتُخفى بقايا الذاكرة، كقاعدة عامة، شواهد لا تُثَمَن لأهم سمات تطور الضرر النفسي. ويزوّدنا تكنيك التحليل النفسي بوسائل رائعة لدفع هذه المادة المخبوءة إلى الضوء، وسنجازف بمحاولة سدّ الثغرات في تاريخ حياة ليوناردو بتحليل وَهْم طفولته، فإذا لم نبلغ في ذلك حدّاً مُرضياً من اليقين، فغزاؤنا أن استقصاءات كثيرة أخرى عن هذا الإنسان العظيم المحيّر لم يكن مصيرها أحسن من مصير استقصائنا.

وعلى ذلك فنحن عندما ندقق في وهم النسر لليوناردو بعيون المحلل النفسي فلن يبدو لنا غريباً لمدة طويلة، وسنذكر أننا كثيراً ما نعثر على أشكال مشابهة في الأحلام، وبوسعنا على ذلك أن نترجم هذا الوهم من لغته الغريبة إلى كلمات مفهومة للجميع، وستسير ترجمتنا على نسق جنسي، فالذيل «Coda» من أكثر الرموز ألفةً، ويرمز لعضو الذكورة في اللغة الإيطالية وفي غيرها من اللغات. وموقف الوهم، الذي يضم النسر الذي يفتح فم الطفل ويضربه بذيله، يناظر فكرة وضع قضيب شخص في فم شخص آخر. والغريب في الأمر أن هذا الوهم له طبيعة سلبية تماماً، وهو يشبه أحلاماً وأوهاماً معينة للنساء وللوطيين السلبيين[(]1) (الذين يأخذون الدور الأنثوي في العلاقات الجنسية).

الصفحات