كتاب " الدار البيضاء - جنيف / رقم الرحلة : 8J 540 " ، تأليف قاسم الغزالي والذي صدر عن مؤسسة شمس لل
أنت هنا
قراءة كتاب الدار البيضاء - جنيف / رقم الرحلة : 8J 540
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
الطائرة التي تُشبه قلبي
التصقت أمعائي بظهري، بينما توزعت الأحشاء الأخرى وكل القطع داخلي إلى قسمين، يتوسطها عمودي الفقري..
توقفت أجفاني عن الحركة، صنمية درامية مفاجئة، ابتلع فمي كل الريق، وتوقفت الغدد عن السيلان..
لا أسمع أي صوت آخر يعلو فوق قداس المضيفة، كانت تلقي كلامًا مكررًا وبلغات مختلفة، بينما بجانبها؛ في وضع مرتفع نسبيًا؛ مضيفة أخرى تترجم الكلام المكرر إلى حركات رشيقة، مضيفة ثالثة تقترب مني، تسألني بفرنسية رطبة :
- سيدي عليك ربط حزام الأمان هكذا.
تغادرني لبضع دقائق ثم تعود نحوي مرة ثانية، برفقتها هذه المرة رجل طويل سمين يرتدي ربطة عنق حمراء وساعة ضخمة، تطبع وجهه ابتسامة قاسية مصطنعة، تقول :
- سيدي، رقم كرسيك 18. يجب أن تنتقل من هنا حالاً. تعال معي، سأرافقك.
دقات قلبي تتسارع بإيقاع مختل وغريب، الدقات تزداد، ربما تتحول قريبًا إلى نقر قوي مؤلم... لم تمضِ سوى دقائق من ركوبي الطائرة حتى مررت بالصراط المستقيم، إنه الصراط اللامرئي الشاق المنال، ذلك التحقيق المفاجئ الطويل عند شرطة المطار، جعلني أعتقد أن حلمي الجميل في الهروب قد ذاب وتحول إلى سائل كريه الرائحة، إنني أشعر به، ها هو الآن ينساب عبر قدمي نحو مجاري الصرف الصحي، ليسكن إلى جانب أحلام آلاف من الشباب المغاربة، بالمستنقعات الآسنة في أحد الأحياء الشعبية الفقيرة... فكرت، هل اكتشفوا علاقتي بسفير سويسرا ؟
هل لهم معلومات أنني خارج إلى بلاد ثانية بلا رجعة ؟
لماذا كل المسافرين يمرون فوق هذا الصراط راقصين مغنين، بينما أرتجف وأموت في مكاني، هل ذنوبي في حق الوطن والله جسيمة، خطرة لهذا الحد، حتى أنال هذا العقاب؟
ما من أحد كان ليشك أنني لا أعاني من خلل عقلي، رغم هندامي الأنيق وحذائي الأسود اللامع، وحقيبة اليد التي تحمل حاسوبًا أبيض منقوش عليه تفاحة، تفاحة لا أحد يدري متى ومن قضمها، إلا أنني كنت مبعثر الخطوات شارد الذهن، مفجوع الجوارح.
ليست المرة الأولى التي سأركب فيها الطائرة، لكنها المرة الأولى في حياتي التي أركب وأنا أنتظر أن يلحق بي أحدهم ويحرمني حق السفر.
كل ما كنت أتمناه في تلك اللحظات البئيسة هو أن نطير وبأية طريقة، نطير نحو بلاد الشكولاتة والساعات الراقية والجبن السائل.. بلاد الحرية التي يقولون عنها، إنها فردوس الطمأنينة الكل يعيش فوق ترابها بسلام.
يقولون إنه يمكنك أن تأكل أطباقًا مختلفة من أنواع لا نهائية للحريات، يمكنك مثلاً أن تصعد لقمة جبل بحرية، أن تتزلج على الثلوج بحرية، أن ترسم خيالك وأحلامك بحرية، أن ترقص مع حبيبك بحرية...
لكن قبل كل شيء، يجب أن تتعلم كيف تكون حُرًّا، وإلا ستحرم نفسك كل هذه الهدايا.


