كتاب " باردة كأنثى " ، تأليف إسماعيل يبرير ، والذي صدر عن منشورات ضفاف ، ومما جاء في مقد
أنت هنا
قراءة كتاب باردة كأنثى
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
-2-
الطّفلُ الذي كنته ارتدّ، فرّ مني سريعا فلم أتمكّن من صوغ لعبة وعشقها، ولا نافست رفاقا صغارا وهزموني أو هزمتهم، لم أقبض على أية صورة واضحة يمكنني أن أواجه بها هرمي، الطّفل الذي كنتهُ كان أقرب بنظراته وملامحه إلى الكهل، وكانت مشيتي ويديّ خلف ظهري تثير سخرية وتعجّب الجميع، رغم ذلك لن أتنازل عن مشيتي تلك. ثمّ إن الحياة لم تكن في زمني ذاك تحتفي بالطّفولة، الناس كانوا مشغولين عنّا بالغد الضّبابـي، لا أحد كان يمكنهُ التقاط الألوان التي تفيق معنا كلّ يوم ويمزجها ليحدث الفارق، كان لون التراب يهيّج فيّ شعورا غريبا، وكنت كثير النظر إلى الأرض، عندما تمطر يصبح شغفي بالأرض أكبر، أردت دائما أن أحتفظ برائحة التراب التي تصعد منعشة كلّما أمطرت ولم أهتد إلى طريقة لذلك.
ربما جئتُ في لحظة لا طفولية، العالم يتشكّل من جديد وأنا أفتّش عن طفل يمضي بسرعة الضّوء إلى أرض لا تمنح رائحة بللها ولا ندى زهورها.
أيقظتنا الفجيعة من سنوات الصّبا الأولى إلى وعي جارحٍ ماكرٍ، باكرا تشكّلَ وعينا على الأصوات الصّاخبة، الرّصاص والقنابل، رائحة الموت والدّخان وحمرة النّهاية، من أكتوبر الفوضى والخراب من القرن البائد المبيد إلى الرّبيع الذي حَمَلها إليَّ لم أكن لأخْبِرَ سوى الموت. من يومها، من يوم أخرجونا من المدارس لنجد خرابا، دخانا وأمكنة تختلف عن صباحها، لم يفكر أحد في التكفّل بصدمتنا أو تلوين الرّماد الذي استوطن دواخلنا، ودَّعنا الألوان صغارا، أذكر أنني في الغد كنت أحمل حمامة بيضاء جئت بها من بيت جدتي، كانت هي خائفة ترتعش، ريشها يتقلّص كلّما بللّها عرق يديّ الصّغيرتين، لعلّها كانت عارية وباردة، حدّقتُ في العسكر المنتشرين في كلّ المدينة لا أدري ما علاقة هذا بذاك، كأني أتّهمهم بترويع الحمام! لم أنس يوما دموع الجندي الذي كان يقف عند باب الأروقة التي أحرقت ونهبت، كانوا يتحدّثون عن انتفاضة شعبية ولم أكن لأفهمَ ما يعنون بالحريات والدّيمقراطية والحزبية. بكى البعض وخرج الجميع في الغد يهتفون باسم الرّئيس الذي بكى أيضا على التلفزيون.
سلّمونا لاحقا وبسرعة لصخب "الفيس"[5] الذي ملأ الدّنيا وبَلَعَ الآلاف من الشّواذ وذوي العقد والآلاف من السّارقين وذوي السّوابق، وعددا من المخلصين، كنت أرى النهاية. داخلي مقتُّ كلّ سلوكاتهم لكنهم أخافوني، خفت من الله طالما هو معهم فهم على حقّ، كنت إذن ضدّ الله وأنا الذي لم أتأخّر يوما عن الكُتَّاب وحفظت متن ابن عاشر وأكاد أختم القرآن.
كنت في الحافلة أنا وأمّي عندما صعد أحد عرّابـي الحركة الجهادية في مدينة الجلفة، لم يكن وقتها أحد يتصوّر أنّ الجزائر ستشتعل قريبا، أشهر ذلك الرّجل سلاحا غريبا من تحت برنسه البنّي، صاح بالجميع موجّها باشارات من سلاحه في الوقت نفسه "النساء منا، والرّجال منا... واش عتروس ومعزة مخلطين"[6]، تفرّق الرّكاب إلى فريقين تحت أمر الرّجل وعمّ الصّمت رحلتنا القصيرة، "كلاشينكوف" هذا هو اسم السلاح الذي شهره الأمير قبل أشهر من إمارته ومن وصول العاصفة.
مضت بعدها كلّ سنين الطّفولة سرّا، على هذه الأرض لم يعد من مكان للطّفولة، كبرتُ عقدا من الزّمن في أقلّ من أربع سنوات وبدأتُ أتساءل ما الذي يجري، مرّة اقتنعت أنّ القيامة قامت وأننا لاندري، ورحت أقنعُ الأصدقاء أننا نتعذّب وأنّنا متنا دون أن نلقي بالا لموتنا المفترض، سخر الرّفاق منّي وورّطوني مع أستاذ الفيزياء الذي كان يحوّل حصّته إلى حصّة فقه؛ فأنّبني وجعل منّي حديث العامّ والخاصّ ولم أكن لأتخلّص من سخرية بقية الأساتذة لولا اعتقال أحد زملائهم ليكون حديث السّاعة، أستاذ الرّسم الحبيب قال لي: "لا تخش أحدا"، وطلب منّي أن أرسم أستاذ الفيزياء في جهنم وأن أضحك عليه طوال الليل، ولم أفعل ذلك إلا في وقت متأخّر.


