كتاب " باردة كأنثى " ، تأليف إسماعيل يبرير ، والذي صدر عن منشورات ضفاف ، ومما جاء في مقد
أنت هنا
قراءة كتاب باردة كأنثى
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
يسحب من جيبه ورقة مائة دينار وقطعا أخرى "خذ هذا يكفي سعرا لها" ويغادر بعد أن حرّك رأسه متأسفا، كان ذلك الرّجل هو ناظر الثانوية الذي رسّم طردي منها، واعتبر أنّ الدّراسة موضوع لا يليق بأمثالي، أخذ المرآة العاكسة ليرى خلفه أمّا أنا فلن أنظر خلفي، لن أسمح له بأن يحبطني، واجهت الجميع بحدّة ذلك اليوم وبعت جيّدا.
أبـي الآن لا يأمنني، بدأت أدخّن وجمعت قليلا من المال، لن يفي بأيّ غرض بعد ثلاثة أشهر من السّعي المتواصل أعيد حساب رصيدي وأتساءل ما يمكن لهذ المبلغ أن يفعل، ضحكت كثيرا رفقة شريكي في التجارة "السعدي".
كنا أنا والسّعدي نبدو أقرب إلى الفاقة منا إلى تاجرين يسعيان لجمع المال، نحمل خيشنا في كثير من الانهماك كأننا الوحيدان اللّذان يعملان في البلاد المتعبة، يديّ تحوّلتا إلى لون غريب وأظافري تحتفظ بسواد يليق بالتحدّي الكبير الذي أطلقته رفقة شريكي لنكوّن ثروتنا المأمولة، آخر مرّة ذهبت فيها إلى السّوق ضيّعت الكثير من القطع وخرجت مدفوعا بموج هادر من البشر المرعوبين بعد إطلاق أحدهم إنذارا بوجود قنبلة، في الطّريق تعرضت وشريكي لتعنيف ودفع من الشّرطة، قال لي السّعدي ونحن نمشي تحت سماء من الهزيمة لا نهاية لها "على الأقل كان بوسعهم إحترامنا، ألا يمكنهم تفتيشنا دون سب ودفع؟"، قلت له "نحن مجرّد شعب".
مساءً إتصلت بوردة فلم أنجح في الحظوّ بصوتها، أردت أن أهديها قرطي ذهب إشتريتهما، إحساسٌ ماكان يملي عليّ خيبة ولم أكن لأجيد تدوينها إذ تتراجع حرارة الصّيف ويلوح الخريف حزينا، بعد أيام سيرجع التلاميذ إلى الدّراسة أمّا أنا فسأجد لي حيلة أخرى. أدرس بالمراسلة السّنة التي بقت من أجل إجتياز امتحان شهادة البكالوريا، وردة أصبحت تتهرّب مني، أتّصل فلا تردّ، غدا اليوم الأول للدخول المدرسي وسأتبيّن الأمر "أغدا ألقاك ياخوف فؤادي من غدي"، كان هذا صوت أمّ كلثوم بكلمات "الهادي آدم"، رائعٌ... هذا بالضبط ما أردت أن أقوله "ياخوف فؤادي من غدي"، وكانت ريبة الغد تتمثّل لي وجعا.
في ذلك اليوم الخريفيّ تألّقت الشّمس كما لم تفعل من قبل وفعلت أنا الشّيء ذاته، اتخذت لي مكانا دنيا من الثانوية، منتصف النهار تخرج وردة ترمقني بعين مريبة وتمضي إلى الشّارع الخالي حيث اعتدت أن ألقاها، بـي بعض من السّعادة مازالت تفهم إشاراتي. إلى الشّارع الموعود... لم تعد وردة لي؟ ركبت سيارة الهاشمي ابن عمي، خيانة! كان هذا ثالث جدار يهوي لكنه ينهار داخلي هذه المرة ورغم دويّه الذي يصمّ الآذان إلا أنّ الحياة تتواصل، ويمضي الناس أمامي مبتسمين ويعبث الأطفال بالتراب في كلّ الشّوارع التي أقطعها.
لم أكن المسلوب الوحيد يومها، جلال ابن المحامي أيضا تعرّض إلى الغزو، نـزل عدد كبير من شباب الأمن أمام الثانوية بلباسهم المدني وأسلحتهم، وإلتقط أحدهم حبيبته "فاتي" بينما بقي هو يقاوم دموع عينه، كان صغيرا وكسيرا والجميع شاهدٌ كيف أخذ الشّرطيّ الطّويل الفتاة إلى خلف الثانوية، كانت فاتي تلك أجمل فتيات الثانوية، أمّها عاهرة محترفة أمّا هي فعاشقة حدّ الجنون لجلال، الغريب أنه عاد إليها بعد ذلك ونسي الجميع أمر الشرطي، والأغرب أنّ تلك الدوّامة كانت تخلط رؤايا، فاتي كانت صديقة نبيلة وهي بنت شرطيّ وعشيقة آخر، كان رجال الأمن يواجهون الرّصاص بالحبّ والجنس والعنف.
دخلتُ المنـزل بلا روح، منذ ألف سنة أبتلع الهزائم ولا أفيق من كسور إلا على صوت أخرى، خيل لي أني أحزن رجل على سطح الأرض وتحتها... تلك التي كانت تلوّن تفاصيل حياتي نفثت حبرا على الشّاشة منتصف الفيلم الرّومانسي ولم يعد الفيلم مشوقا، كم كنت كسيرا... كم كنت وحيدا.
فيما مضى كنتِ تقولين ويدكِ تمسح غبار وجهي أنا معك، ترى أين أنت؟ لم أخرج من البيت وأغرقت نفسي في القراءة والجنون، إلتهمت كلّ الكتب التي بمكتبتنا في الدّين والسياسة والمعمار والكثير من الرّوايات العربية والمترجمة، بعد شهر دخل أبـي ومعه "راق"، قال أنه أحضر شخصا يودّ التحدّث إليّ، لم أستسلم ودخلت معه في حوار طويل أنهكه وهو المستعد لإخراج جنّ ما، رأيت في عينيه تأكّده أني مارد لا أخرج مني إلا بلفيف من الرّقاة، خرج الرّاقي الهمام خائبا ودخل عليّ أبـي مستجديا:
- لمَ تنعزل ما الذي تريد؟ أنا أبوك أطلب وسيكون لك ماتريد
- أريد أن أزرع ورودا بفيناء المنـزل، ولكن لا أريدها أن تنمو بأشواك ولا أريد أن يراها عمي عامر ولا أحد أبنائه


