المجموعة القصصية "نافذة العنكبوت" الطبعة الأولى الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسالت والنشر عام 2000، للمؤلف العراقى شاكر نوري، تتناول المجموعة الحرب على العراق وتأثيراتها الممتدة سلبا حتى الآن على الشعب العراقى، ولكن بأسلوب حرص فيه الكاتب على الابتعاد عما
أنت هنا
قراءة كتاب نافذة العنكبوت
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 1
أيار
1
فاح العطر من باطن هذا الربيع ، مزهوّاً في أول إطلالته مثل نبات الفطر البرّي الذي يخرج فجأة ، ليتناثر كالأمواج في الهواء المضطرب في محاولة للإختباء بين طياته ، وتغيير مذاقه ، فيما أفاق عبد الرحمن لتوه من النوم بفعل تسلل هذا العطر المفاجىء الى تعاريج أنفه المرتخي والمبلل بمخاط شفاف سائل ، وهو يتردد في إستنشاقه مرة واحدة ، رغم تذوقه العطر ، كي لايختنق بزكام الربيع الذي يظهر ويتلاشى مثل مرض مزمن يبعثه هبوب أدنى ريح لينشر في جسده حبيبات حمراء ناعمة ، لامرئية تقريباً ، تأكل مسام جلده ولاتهدأ حتى ولو نشبت فيها أظفاره الحادة التي تمنى أن تتحول الى مخالب صقر وحشي لتستأصل هذه الحبيبات الحمراء الرؤوس من جذورها ، وانتبه لأول مرة بأن الليل كان هادئاً في مخيلته قبل زواجه ، فأصبح الآن أكثر ضجيجاً من النهار ، عواء كلاب وأنينها المتحشرج كأنها تتحول الى ذئاب من طول عزلتها الليلية ، وهي تحلم بمضاجعة جثث آدمية علها تلتهم جزءاً من خبثها قبل أن يقتنصها الصغار الملاعين ، بتعليق اللحوم في صنارات صيد الأسماك لقتلها على طريقتهم الصبيانية اللاهية التي تعلموها وقت الحرب ، فيما كانت الرياح تتوجه صوب الأشجار لتستعير من نسغها عنفوان القوة لتتحول الى عواصف لكنها لاتجد سوى الخواء ، فتخبو داخل طياتها وتستكين،إنها ليلة العرس التي جعلته يشعر بكل تلك التفاصيل التي لم يكن سعيداً بدونها فحسب ، بل لم يكن حتى بحاجة لمعرفتها على الإطلاق ·
كابوس ليلي إخترق الفجر عنوة ، متسللاً جدران غرفته كطيف غير مرئي ، مما جعل قطرة دم سريعة الجريان ، تتسرب في متاهة شرايينه اليقظة التي مالبثت أن تخثرت مثل لبن فاسد في تلك البقعة المظلمة من الرأس - الدماغ وراحت تقض مضجعه بطبولها كلما استسلم الى بقايا فتات النوم ، مابين أنفتاح عينيه وإغماضهما على الوسادة المحشوة بالريش الأبيض الناعم ، أمحت حدود الحلم والكابوس والنوم والجدران وضياء الفجر ذلك الخيط الرفيع الواهي الذي يداهم رأسه كل ليلة ويشقه الى نصفين متصارعين دون أن يعلن عن مجيئه عبر اضطرابات الجسد وتقلباته على سطح السرير الساخن بفعل هموده لساعات طويلة حين يضجر من رقاده الرتيب على جهة دون أخرى ، مضطراً للنهوض قليلاً ورفع جسده تاركاً سريره الخشبي ذا الصرير المخيف في هدأة الليل · لعل سبب ذلك هو البول المحصور في مثانته وليس الكوابيس المهاجمة هذه المرة ، لذا يهبّ هارعاً الى غرفة المراحيض ، ويقطع صحن المنزل بقدمين مرتخيتين ، فتلوّح وجهه نسمة الربيع فتنفض بعض أجزاء جسده الحيّة العرق والزوائد الأخرى فيما تبتلع الأجزاء الميتة السعال والحشرجة والمخاط والبصاق ، فيزداد وجهه اصفراراً ، وهو يُفَرِّغ أحشاءه من مزيج الأكل والخمر ، ويتعثر إثر غيمة مشاكسة حجبت ضوء القمر الساقط على صحن المنزل· وما أن وضع رأسه على الوسادة حتى إرتفع صوت المؤذن معلناً صلاة الفجر ، وطارداً آخر ثمالة نوم من عينيه · حينئذ أدرك أنه الفجر ، ذلك اللون الغامض الذي لايعرف تماماً ملامحه بقدر مايعرف فيه من كسل وتراخ بعد أن أعلنت الكوابيس هدنتها لبرهة ، بعد أن امتصت كفايتها من ظلام الليل ، الذي يبعث في رأسه شياطين الوهم الممزوجة مع صور الملائكة اللاتي تلوحن بأجنحتهن إبتهاجاً لعذاباته ، فذهب ذهنه في الحال الى الخلط بين ملائكة الشر وملائكة الخير في تحليقاتها الساخرة والمدوّية على كتفيه العاريتين ، وكلما حاول نسيانها ، يذكّره بها صوت المؤذن الصاعق · إستند على ظهره المحني ، ملتصقاً بحافات السرير ، وتطلع من نافذة الغرفة الى أن إمتلأت عيناه بفيض من ظلام الفجر الممزوج بخيوط بيضاء انحصرت بين شقوق النافذة · كان كلّ شيء يحاصره : الفجر ، الكوابيس ، زكام الربيع ، الملائكة ، الصلاة ، الحرب وشيرين · هذا هو الفجر الذي عرفه أخي الصغير في ليلة عرسه مما زاده خوفاً وريبة وبثّ في أعماقه نوعاً من الحماس ايضاً ، ليتخلص من براثن هذا الكابوس الأعمى بخيوطه المخاطية ، اللاصقة ، مثل لحاء شجرة فتية ، وجعله يتردد بين رغبة النوم ومحاولة الإختفاء كلياً من هذا العالم وبين الغوص في جسد زوجته المخدر ، لكنه لم يتمكن من إخفاء هذا الكابوس بين طيات الأغطية الصوفية المتراكمة على جسديهما مثل خيمة عسكرية ، ثقيلة كالحة ، ولا أن يمضي الى أعماق هذا الجسد المسترخي بجواره مثل حيوان مدجّن ، غائر العينين ، لايرفض عبودية الانصياع وتطبيق القوانين الجاهزة·كابوس أكبر من رأسه بل وأكبر حتى من الغرفة ، يفيض من بين جدرانها ليصل الى الغرف الأخرى ، غرفتي وغرفة أمي ، بل أكثر من ذلك يمتد الى سطح الكون هائجاً مثل بحار تفيض وتقلب السفن وتُغرق الحيتان · أتى هذا الكابوس كصوت من البراري النائية ، رياح سوداء عاتية تتقوى كلما مرّت بقمم جبال شاهقة ، حمّى تجتاح هيكل جسده وتتسلل الى نخاع عظامه ، صداع يُقْسِم رأسه الى نصفين ، نصف مضيء ونصف مظلم ، ومابينهما تختفي ثمالة هذه الليلة - ليلة العرس ، وتساءل بمرارة :
- هل هذا الكابوس صوت مزمجر إنطلق من آلة موسيقية لم تُخْلق بعد ، أصداء بئر عميقة ، مجوفة ، غارقة في الظلام ؟ أهو ، ياترى ، بئر طفولته ، تلك البئر التي يرى فيها كل مآسي العائلة ، وبالذات إغتيال أبي · بئر تتموج فيها صور صقور محلقة في السماء ودلافين تعبث في جوف البحار ·
رفع نظره الى السجّادة ، المطرزة بالأيدي ، والمعلقة على الجدار المقابل لسريره يكشف له بعض ضوء طفيلي أتى من الصحن لينير وجه فارس يطعن حيواناً وحشياً ، ذا مخالب جارحة ، برمحه ويجعل الدماء تنزف من فكيه · منذ تلك اللحظة ، جثم ذلك الحيوان ، مثل صورة معلقة ، توشك على السقوط احياناً ، على خياله واحلامه بحيث اصبحت كل الحيوانات ، حتى الوديعة منها ، جارحة ومخيفة وباعثة للحمى في مخيلته · في تلك اللحظة ، البرهة التي تختبىء بين خدر النوم وكسل اليقظة، إذ يلفظ فيها الزمن أحشاءه الزائدة خارج دورته في تعاقب الليل والنهار، رأى بالفعل صقوراً تداهم نافذة غرفته ، تهجم على جسده العاري ، وتنقر قضيبه الواهن ، العاري ، المتدلي نحو الأرض مثل خرقة بالية أو مجرد مصران مجوف داكن اللون ، وهو خائر القوى يرغي ويزبد ولايقوى على طردها في اشتباكها الأخير على عري جسده ولا يمتلك الاّ أن يستسلم الى الارادة الالهية التي أسكنت حيامنه المنوية الى سبات عميق ، بل وأفقدتها طاقتها في فض بكارة زوجته وإنتاج ولد شبيه · هذا الشبيه لن يولد ،في مملكة أقامت أمي صرحها ،الاّ بالمعجزة · أجل كنّا ننتظر هذه الكلمة الالهية ، المعجزة ، التي لاتكلفه شيئاً حين يقذفها من فمه الهائل المليء بعبارات كن فيكون الى مالانهاية ·


