أنت هنا

قراءة كتاب مدائن الأرجوان

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مدائن الأرجوان

مدائن الأرجوان

رواية "مدائن الأرجوان" للكاتب السوري نبيل سليمان، الصادرة عن دار الحوار للنشر والتوزيع عام 2013، نقرأ من أجوائها:
في الشرفة لبث واصف عمران يتفرج بحياد على باص الحضانة وهو يبتعد بثريا: أليست ابنتك أيها الوغد؟

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 3
قال واصف مناكداً:
 
ـ العسكر دمّروا اللاذقية كلها. شو عمّروا وما عمّروا؟
 
عندئذ تراخت ذراع العجوز، وزمّ شفتيه، فأشفق واصف عليه. ولكي يستلّ غضبه، راح يمجّد البطل الكردي الذي حرر اللاذقية من الفرنجة، وغفر للعسكر الذين حطموا ما حطموه من الأعمدة الرومانية ومن الألواح والأحجار الرخامية، وحملوا ما لم يحطموه إلى الشام.
 
كان الرجلان متقابلين ملء الأريكتين الوحيدتين العتيقتين. وبمشقة باعد واصف أجفانه، بينما سأل العجوز بازدراء:
 
ـ هل تعرف أين تعلم المعري الفلسفة اليونانية يا أستاذ واصف؟ هنا يا صهري العزيز. هنا في دير الفاروس. هذه المقبرة تشهد. ماذا تعرف أنت؟
 
قال واصف ساخراً:
 
ـ أعرف أن مدينتك جنّنت المعري: هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يصيح.
 
انتفض العجوز وصاح:
 
ـ عمرها اللاذقية ما عرفت الشقاق إلا على أيامكم.
 
أطبق واصف أجفانه ممتعضاً. وكأنما أصابت الأجفان عدوى العجوز بالشتات، إذ راحت تلاعب الأخيلة: تطير بوالد رمزية من هذه الأريكة إلى المقبرة، تحشر العجوز إلى جانب زوجته، تنبش القبور جميعاً وترسل ساكنيها إلى البحر، تعود بالمقبرة فضاء حراً وملوناً، كما كانت قبل أن يحرر صلاح الدين الأيوبي المدينة أو قبل أن يطمرها بركان. وحلا لأخيلة واصف أن تجمع والد رمزية بأبي العلاء المعري يوماً في كازينو السياحة والاصطياف، وبالمتنبي يوماً في منتجع الشاطئ الأزرق، وأن تشيد بيوتاً صغيرة وحلوة حول الدير، فينهض حي الفاروس، وتطلّ رمزية من هذه الشرفة على عشاقها، ويكاد واصف أن يظفر بها، لولا أن الأرض يزلزل زلزالها، فيأتي صوت العجوز الأثرم متأسياً ومتابعاً حديثاً، لا أحد يدري متى بدأ ولا متى انقطع:
 
ـ ما بقي في اللاذقية حجر على حجر. تحولت البيوت إلى قبور. ومن نجا لجأ إلى البساتين.
 
تساءل واصف بصمت: متى كان ذلك؟ ولأن للعجوز سمع الخلد، قال:
 
ـ في مثل هذه الأيام. أواخر نيسان قبل مئتي سنة.
 
فتمتم واصف ساخراً:
 
ـ أقلّ.
 
قال العجوز غير آبه:
 
ـ أقل بقليل. وفي البساتين سرى أن زلازل أكبر سوف تتوالى، فأسرع الناس إلى الأنقاض، وجاءوا بما نجا من البهائم والأشياء، ثم أسرعوا بعيداً.
 
ـ إلى البحر؟
 
سأل واصف مصطنعاً البلاهة، فتابع العجوز ساخراً:
 
ـ إلى القرى يا فهيم. نصبوا الخيام في البراري يا فهيم، وانتظروا. لكن الله لطف بهم ولم يقع زلزال جديد.
 
ـ بعد ثلاثين سنة وقع.
 
قال واصف متعالماً.
 
ـ أقل بقليل. لكن الطاعون فشا بعد ثلاثين سنة من الزلزال. هذا صحيح.
 
تمتم العجوز بصوت ناعس. وبعد قليل سكن تماماً، كأنه أغفى عميقاً، أو مات بسلام كما خمّن واصف، وربما كما تمنى وهو يتسلل.

الصفحات