رواية "مدائن الأرجوان" للكاتب السوري نبيل سليمان، الصادرة عن دار الحوار للنشر والتوزيع عام 2013، نقرأ من أجوائها:
في الشرفة لبث واصف عمران يتفرج بحياد على باص الحضانة وهو يبتعد بثريا: أليست ابنتك أيها الوغد؟
أنت هنا
قراءة كتاب مدائن الأرجوان
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

مدائن الأرجوان
الصفحة رقم: 9
أجفلني ذكر الأستاذ، فالتفتّ إلى صاحب الصوت، لا لأسأله عمن يقصد، بل لأسأله بالضبط عما إن كان يقصد الاستاذ واصف عمران. لكن صاحب الصوت خاطب الآخرين من فوقي:
ـ يا شباب أعطوا الدور للأستاذ.
ولا بد إذن أن أكون من ارتمى عليه القتيل، لولا أنّ شفتي تمتمتا بالشكر، وساقيّ حملتاني إلى رأس الطابور. لكنني لم أشتر لواصف رغيفاً، بل اكتفيت بعشر أرغفة لصفا ثم غادرت الساحة مهرولاً، بل غادرتها عَدْوَاً، نادماً على أني لم أصحح للطابور خطأه، فأنا لم ألجأ إليه كرمى للخبز. ربما نشدت الأمان، ولا بد أني كنت أنشد خبراً عن واصف، ولكن لماذا هذا كله وبيت واصف صار قريباً؟
لعل صفا تكون قد عادت الآن من المكتبة، وعرجت على الروضة لتحضر منها وحيدنا الملعون: عمرو. ولكن أنّى للمكتبة أن تفتح بابها، أو للروضة أن تفتح بابها، مادام الرصاص يدوي ملء المدينة! أما أنا، فلن أنتظر حتى أفاجئ صفا بالخبز الساخن الطازج. لا بد أن أعرج أولاً على بيت واصف، ولتكن هذه الأرغفة له. هل يعقل أن أدخل إلى بيته لأول مرة منذ شهور، فارغ اليدين؟ سوف يزداد قلق صفا كلما تأخرت في العودة. لكنها ستسامحني عندما تعلم بزيارتي لبيت واصف. صفا لم تقاطع رمزية كما قاطعتُ أخي. ورمزية لم تقاطع صفا كما قاطعني أخي. والآن، ما بقي عليّ إلا أن أنعطف لأتابع السير في شارع المالكي حتى أبلغ الدرج الذي سيحملني إلى بيت واصف.
بعد قليل، بعد قليل جداً، سأتيقن من خبره. ولأنه سليم ومعافى ـ ما من ريب ـ فلا أثر للقلق في خطواتي. لست قلقاً على الرغم من الارتياب بخلو الشارع تماماً. هذا هو مدخل المدرسة الأرمنية. حسناً. وهناك، على الرصيف المقابل دكان الحلاقة الذي عمل فيه حنا مينه، ولذلك صرت وواصف من زبائنه قبل أن يحمل واحدنا البكالوريا. وفجأة خرج من مدخل المدرسة الأرمنية قسّ في مثل سنّي، ويحمل حقيبة مثل حقيبتي، وفجأة سقطت الأرغفة مني، وأنا أسأل يدي عن حقيبتي: هل تركتها في غرفة المدرسين والمدرسات أم في غرفة الست جميلة؟ هل تركتها على الأرض عندما ناولني الفرّان الأرغفة؟ إلى جهنم.
إلى جهنّم بالحقيبة، وما تكتنز من أوراق الطالبات، ودفتر درجاتهن، وهذه الأرغفة: دعوت واندفعت صعداً وعيناي كأنفاسي ترجمان كل ما تصادفان: الدكاكين المغلقة، خشب النوافذ المتهالكة، الخضرة الهاجمة من سفح التلة، مئذنة المغربي، خزان المياه، شجرة الأكاسيا، الشرفة المطلة على الدرج العريض: ها هنا كانت جلستي الأخيرة مع واصف قبل سبعة أشهر تقريباً.

