أنت هنا

قراءة كتاب مدائن الأرجوان

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مدائن الأرجوان

مدائن الأرجوان

رواية "مدائن الأرجوان" للكاتب السوري نبيل سليمان، الصادرة عن دار الحوار للنشر والتوزيع عام 2013، نقرأ من أجوائها:
في الشرفة لبث واصف عمران يتفرج بحياد على باص الحضانة وهو يبتعد بثريا: أليست ابنتك أيها الوغد؟

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 6
سأل واصف بضيق:
 
ـ إيه وشو يعني؟
 
فنظرت إليه بحنق، ثم تابعت الهدير:
 
ـ شو يعني؟ يعني قتلوه. يعني خلص، خربت اللاذقية، مثلها مثل حماة ومثل حلب. صارت سوريا كلها مثل لبنان. لا تنس أن الشيخ يوسف علوي. قالوا: هو الإمام، وقالوا: هو المؤذن، والجامع جامع جعفر الصادق، جامع العلويين. بتعرفْ شو يعني أم أزيدكم شرحاً؟
 
تجاهل واصف السخرية، ولبد حتى غادرت رمزية وثريا. عندئذٍ اندفع مثل ثور هائج من باب البيت إلى مدخل البناية الذي لم يكن قد أشبه فم القبر بعد. ومن المدخل إلى أربع وخمسين درجة لن يعدها هذه المرة، فإلى الشارع الذي ما كاد يتوسطه حتى أحس بأن أحدهم يلاحقه، وسيقبض عليه بعد خطوة أو خطوتين، كأن واصف عمران هو من قتل الشيخ يوسف صارم. وأخذت الوساوس تتناهبه:
 
أطلقت الرصاص على المغدور أم طعنته بالسكين؟
 
بالاثنين يا سيدي.
 
صف لنا ما فعلت.
 
كمنت للشيخ أمام بيته يا سيدي، ولما خرج ليرفع الأذان، صحت به: خذ، وأخذ رصاصة في الجبهة، والثانية إلى الأسفل قليلاً، والثالثة في السرة.
 
ثم أيها المجرم: ماذا فعلت؟
 
ثم نصبنا الكمين أمام الجامع يا سيدي. وكالعادة، بكّر الشيخ خوفاً من أن يؤم بالمصلين غيره. صحت به: خذ، وأخذ، أخذ طعنة نجلاء واحدة كانت كافية يا سيدي.
 
لماذا أيها المجرم؟
 
شقت الصيحة سمع واصف، فنطّ عالياً مثل القرد، ونجا من الحجر الذي هشّم زجاج السيارة الرابضة إلى اليمين، واندفع مع من اندفعوا شرقاً. وحين رأى نفسه يكاد يخرج من المدينة تنبه إلى أنه يبدو نشازاً بين أولاء الشباب، فتباطأ، وفجأة هشمت عصاة أحدهم زجاج السيارة الرابضة فوق الرصيف المقابل. وما كاد واصف يصحو من ذهوله حتى تدافع الشبان الغاضبون نحو الدوّار الذي بدا من بعيد يغص بالسيارات.
 
بحذر تقدم هو أيضاً من الدوّار. ولما بلغه التفت خلفاً كأنه يودع المدينة، وإذا بكتف تدفعه وصوت يبربر: يلعن أبو أشرف طايفة ليلحق أبو أرذل طايفة. ولكْ استحوا. ولكْ خافوا ألله. ولك رجعتونا لورا مية سنة. الله يرحم أيام فرنسا. الله يرحم أيام تركيا. واختفى الصوت وصاحبه فيما تفجر به الدوّار: مئات الأذرع تلوح عالياً بعصيّ وسواطير وسكاكين وأسواط وقبضات، والحناجر تنشق منادية بالثأر، وصدر واصف ينشق: أي ثأر هذا يا مجانين؟
 
كان الحشد قد غدا سوراً منيعاً، وإلى اليمين كانت الطريق الخارجة من الدوّار تضيق بالسيارات، مثلما كانت السيارات تضيق بمن فيها، فالكراجات انتقلت إلى هنا: تطوع أحدهم بالشرح لواصف عندما رأى ذهوله. وهمّ واصف بأن يؤكد لرجل أن ما يذهله هو هؤلاء الذين ملأوا السيارات. لكن الرجل اختفى، ففكر واصف بأن المدينة قد هانت على هؤلاء جميعاً، ولعلهم لم يحبوها يوماً. لعلها لم تكن يوماً لواحدهم غير لقمة يزدردها، أو فرجاً يولغ فيه، أو رصيداً، أو دماً يشخب من رأس هذا الشاب الذي لن يقدر واصف على أن ينساه: رأس مدور وحليق وضخم، عينان واسعتان وأذنان أكبر، وسيف ذو شعبتين كأنه ذو الفقار الذي ينادي الشابُ صاحبه. وأعشى سطوع السيف عيني واصف، ثم أعماهما عندما بدأ يتمرى على جلدة رأس الشاب. واصطبغت الجلدة بالأحمر القاني، وطرطش الدم وجوهاً ورؤوساً وقمصاناً. وفي الأصداغ راحت عروق تطق كما تطق الحناجر ثأراً مجيداً: لمن ممّن يا مجانين؟
 
صاح واصف، لكن الخوف حبس صيحته في صدره. وبفضل الخوف زحفت قدماه خلفاً حتى ابتعدتا عن الحشد. وحين تلمستا الأمان أسرعتا نحو دوّار بوقا الذي تشكله الأعمدة المدورة الشاهقة. وهفت عينا واصف إلى ما تحفظان منذ عهد الصبا من كسور الأعمدة في تاج أو خاصرة، لكن سيارة جيب لاندروفر اخترقت الدوّار وربضت أمام العمود السليم الوحيد.
 
من نوافذ الجيب أطلت فوهات الكلاشينات، فتنحى واصف، وإذا بفوهات أخرى تطل من الباب الخلفي للجيب. ويبدو أن خطأ ما قد وقع، فقد يكون خوف واصف انقلب شجاعة عندما أخذ الحشد يملأ الدوار، فتقدم متحدياً الدورية أو متحدياً الحشد. وقد يكون الخوف أدرك الدورية نفسها، أو قد تكون شجاعة أكبر من شجاعة واصف هي ما جعل أحداً من الحشد يتحدى الدورية. ومهما يكن فقد اخترقت سمع واصف رصاصة، بل ثلاث، بل زخة من الرصاص مثل زخة من المطر، وربما مثل زخّة من البَرَد، فتلفت معاتباً ومتأثراً، وإذا بوجه مشرق يقبل من جهة البحر. وكلما اقترب كان يزداد شبهاً بوجه عبد الرحمن. وعندما صار قبالة واصف تماماً، تراءى صاحب الوجه لكثيرين يحمل خابية طافحة بالأرجوان، ويدلقها فوق واصف الذي كان قد ارتمى على الإسفلت يتقيأ دماً، وعندئذٍ خُيّل إليه أن الزمن قد بدأ يخرف فيصير هو النسيان والنسيان هو، كي يستوي يومٌ اغتيل في فجره الشيخ يوسف صارم عام 1979، مع يومٍ سوف يُغتال في ضحاه الدكتور عبد الرحمن هلال عام 1981، مع ظهيرة يومٍ مثل هذا اليوم التائه بين صيف يودعه وخريف يلاقيه ـ وربما بين الفصول جميعاً ـ سوف تستوي فيه حياة واصف عمران مع موته.

الصفحات