رواية "مدائن الأرجوان" للكاتب السوري نبيل سليمان، الصادرة عن دار الحوار للنشر والتوزيع عام 2013، نقرأ من أجوائها:
في الشرفة لبث واصف عمران يتفرج بحياد على باص الحضانة وهو يبتعد بثريا: أليست ابنتك أيها الوغد؟
أنت هنا
قراءة كتاب مدائن الأرجوان
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

مدائن الأرجوان
الصفحة رقم: 8
ـ 2 ـ
كنت قد خرجت من البيت مبكراً فجبهوني بمصرع الشيخ يوسف صارم: جار من الطابق الأول، جار من البناية المجاورة، الفوّال، وكل من صادفت بعدئذٍ من الوجوه العابسة والسيارات النادرة، طوال الطريق من أقصى شرق المدينة حيث أسكن: خمسون دقيقة تستغرقها رحلتي الصباحية عادة، لكنها تطاولت اليوم حتى نافت على سبعين دقيقة، فتأخرت عن الدرس الأول لأول مرة، منذ عملت في دار المعلمات قبل أربعة أشهر تقريباً.
عندما بلغت حيّ المشروع الأول فكرت بالعودة إلى البيت، فتباطأت، بينما تعلقت عيناي بما يظهر من المقبرة، ثم زحفنا إلى ذروة التلّة التي يلطو على جانبها المخفي بيت واصف.
ولما عجزتا عن أن تسبرا التلة، اكتشفتُ أنني أقابل نادي حطين، وجهاً لوجه، فزهدت في العودة، وتابعت السير أسرعَ فأسرعَ. وقبل أن أبلغ دار المعلمات كانت الشوارع قد أخذت تخلو، وبالطبع، ما كان يسيراً من بعد، أن تنتظم الدروس، ولا أن ينتظم الجلوس بين درس ودرس في غرفة المدرسين والمدرسات، ولا في غرفة الست جميلة، إلى أن جلجل الصوت المشؤوم.
لم أكن وحدي من سمع نعيق البومة. لا بد أن هؤلاء الشبان الذين كادوا أن يحطموا البوابة الحديدية الموصدة الهائلة، قد سمعوا أيضاً، ولولا ذلك لما كانت وجوههم تتفجر بالألوان: الحمرة المدماة والصفرة المسممة والسمرة الحارقة وملوحة النسائم البحرية. كانت ألوانهم أكبر غضباً من أصواتهم. ولعل ذلك ما جعلني أستنجد بواصف، وأنغرس في حفرة البلاطة المنهوبة من الرصيف، بانتظار صوته أو طلّته، حتى باغتني اختفاء الجميع، فانقذفت إلى وسط الشارع الذي راح يقذفني يمنةً ويسرةً. ولما استطعت أن ألتفت خلفاً، كانت دار المعلمات قد باتت بعيدة: إذن باتت ساحة السمك قريبة.
على الرغم من ابتهاجي بالاسم الجديد للساحة (ساحة أوغاريت)، إلا أنني لم آلف الاسم الجديد الجليل. ولكن ماذا يعني ذلك إزاء الأصوات التي تصخب وتشتبك أمام الفرن، مثلما تصخب وتشتبك أصوات الرصاص في السماء الزرقاء الصافية، كأن ليس من أمر يجري تحتها؟
لم يكن للسمك من أثر في الساحة، سوى بقية من رائحة. ولم يكن من أثر للحياة في الساحة لولا من اندسست بينهم أمام الفرن.
بدلاً من الخبز البارد أو البائت الذي تحضره صفا من دكان سامي في آخر الحارة، سأحضر لها الخبز الطازج والساخن. سأشتري كيلوين إضافيين لواصف، فكل ما جلجل به الصوت المشؤوم، وكل ما نعقت به البومة، كذب في كذب. لكن هذا العجوز الأخرق الذي وقفت خلفه يصيح بالذي يقف أمامه:
ـ الرجل كان يبصق دماً.
ـ يا أخي: قتيل نام فوق قتيل.
صاح صوت من أول الطابور، فلاقاه صوت من خلفي:
ـ الرصاصة خردقت واحد ثاني، والثاني ارتمى على الأستاذ.

