أنت هنا

قراءة كتاب أرض الميعاد في الفكر الإسرائيلي المعاصر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
أرض الميعاد في الفكر الإسرائيلي المعاصر

أرض الميعاد في الفكر الإسرائيلي المعاصر

تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها : إن فكرة أرض الميعاد تعد من أهم المرتكزات الفكرية التي استند عليها الفكر الإسرئيلي المعاصر، و لذلك تسعى هذه الدراسة للإجابة عن جملة تساؤلات منبثقة من هذا الافتراض العلمي لعل اهمها ما يأتي:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 6

ثانيا : الوعد الإلهي في التلمود :

إذا كان الوعد الإلهي في العهد القديم أمرا تلقائيا قام به اﻹله لسر في نفسه ، إلا اننا نكاد ندرك عن طريق نصوص العهد القديم الغرض الأساس منه ، وهو: (أداء فريضة سماوية معينة) فان فكرة (الوعد الإلهي) في التلمود أخذت تتطور تطورا ملحوظا لتتحول من مجرد هديه(منحه) من اﻹله الى حق من حقوق الشعب اليهودي لا ، بل اصبحت حقا مقدسا.
ولفهم طبيعة هذا التطور لابد من الرجوع الى الفكرة اليهودية عن (الحلولية اﻹلهية) في الشعب ، واﻹرض ، وهو ما يعبر عنه بالثالوث الحلولي (اﻹله ، والشعب ، والارض) ، فتقوم وحدة مقدسة بين اﻹرض والشعب لحلول اﻹله فيهما ، وتوحده معهما(38) ، إذ يحل اﻹله في الشعب ، فيكتسب طابعا مقدسا ، فالشعب العبري سمي بـ (بني إسرائيل) بعد أن صارع (يعقوب) (عليه السلام)(الله) .
ثم سميّ بعدها (إسرائيل)، أي (بطل الله) ، وأصبح العبرانيون(*) (إسرائيليين) أي (المدافعين عن الله) ، وبذلك اصبح الشعب امتدادا لله في الارض ، وحلول هذه(المادة الإلهية) في الشعب اليهودي هو ما ميزه عن غيره من الشعوب الاولى(39)، وجعل الناس (عبيدا لهم)(40) .
فـ ((الشعب المختار هم اليهود فقط))(41)، ((تتميز ارواح اليهود عن باقي الارواح بأنها جزء من الله كما ان الابن جزء من والده))(42) ، وهكذا مثلما يحل الإله في الشعب ليصبح شعبا مختارا ، فإن هذه الحلولية تتبدى في إضفاء القداسة على الإرض لتصبح مقدسة ، ومركزاللكون(43) نتيجة الحلول الإلهي فيها .
ولذا ، فإن (أرض اسرائيل) سميت بـ (أرض الرب)(44) ، وهي الارض التي يرعاها الإله ((أرض يعتني بها الرب إلهك ، عينا الرب الهك عليها دائما من اول السنة الى أخرها))(45) وهي (الأرض المقدسة)(46) كما جاء في التلمود (( الواحد القدوس تبارك اسمه قاس جميعالبلدان بمقياسه ولم يستطيع العثور على أية بلاد جديدة بأن تمنح لجماعة إسرائيل سوى أرض إسرائيل))(47) ، بل أخذ ارتباط اليهودي بأرضه الموعودة تعبير عن تمييزه عن العالمين ، وعن رغبة اليهود كأمه روحيه في أن (تكشف طبيعة الله للعالم) ، وأن اليهودي في اﻹرضالمقدسة يصبح قادرا على قبول الحقيقة الإلهية((هناك في تلك الأرض يكون الذهن مهيئا لأدراك معنى نور، النبوة ،والاستنارة بإشعاع الروح المقدسة))(48) .
ويتكرر (الوعد الإلهي) بالإرض في التلمود اذ جاء فيه : ((الله القدوس ، تبارك إسمه، اعطي بني اسرائيل ثلاث هبات ثمينة ... وهي التوراة ، وأرض اسرائيل ، والحياة الاتية))(49) ، كما أن تعاليم التوراة لا يمكن أن تنفذ كاملة إلا في اﻹرض المقدسة(50)، ويذهب التراث التلمودي الى تعميق اﻹرتباط اليهودي بالإرض عن طريق إشارته الى أن: العديد من شعائر الديانة اليهودية إرتبطت باﻹرض إرتباطا كبيرا ، فبعض الصلوات من أجل المطر والندى تتلى بما يتفق مع الفصول في (أرض الميعاد) ، كما أن شعائر السنة السبتية (سنة شميطاه)(*) ، والشعائر الخاصة بالزراعة ، وبعض التحريمات الخاصة بعدم الخلط بين الانواع المختلفة من النباتات والحيوانات لا تقام إلا في الارض المقدسة(51)، إذ نرى أن الدافع وراء اﻹحتفال بـ (سنة شميطاه) دافع ديني / قومي ، فهو من ناحية تنفيذ لكلمة الرب ، وتعبير عن الإيمان بان اﻹرض هي ملكه وحده يهبها من يشاء ، ولكنه من ناحية أخرى تأكيد للرابطة العميقة التي تربط اليهودي باﻹرض المقدسة كما انه ينطوي على إسقاط لحق أي انسان في إمتلاك هذه اﻹرض حتى لو عاش فيها مئات السنين ، ولان الخالق يصطبغ بصبغة قومية يهودية نرى أن ملكيته للإرض هي في الواقع تأكيد لملكية اليهود الأزلية لها ، وهكذا نرى أن الدافع الديني والروحي هو ذاته الدافع القومي ، بل ان الدافع الديني ما هو إلا وسيلة ﻹضفاء طابع أزلي مقدس على القومية اليهودية(52) .
وتشير كثير من النصوص التلمودية الى مكانه (الإرض)، وتضعها في درجة تضاهي الايمان بالله ، مثل : (( من يعيش خارج أرض الميعاد فهو كمن يعبد الاصنام))(53)، وكذلك : ((ان العيش في أرض إسرائيل يعادل الوصايا اﻹلهية الاخرى))(54)، وهكذا تعمق التيار الحلولي ،وتعمق اﻹرتباط اليهودي باﻹرض ، فنشأ ما يسمى بـ (لاهوت الارض المقدسة)(55) ، وهذا التطرف في الطرح لفكرتي (اﻹرض، والشعب) يعزوه ( التلمود) بأنه : إرتباط صوفي لا يمكن للجوييم (*) فهمه، (( فأرض إسرائيل ليست شيئا منفصلا عن روح الشعب اليهودي ، بل هي جزء من وجوده القومي ، و مرتبطة بحياته ، وبكيانه الداخلي ، إرتباطا عضويا ، والعقل البشري في إسمى مراتبه لا يستطيع أن يدرك معنى قدسيه أرض إسرائيل الفريدة ، ولا يستطيع ان يحرك الحب الكامن في اعماق الشعب اليهودي نحو هذه الارض .... ان ما تعنيه أرض إسرائيل يمكن فهمه فقط من خلال روح الرب المنتشرة في الشعب اليهودي والتي تشع بتأثيرها على كل العواطف السليمة))(56) .
وهكذا ، فإن هذا الشعب لا يرى تحقيق ذاته الكامل ، إلا في الاتحاد الاقنومي بالارض ، اتحاد صوفي روحي عميق (57) .

الصفحات