رواية "فازع شهيد الإصلاح في الخليج"، أحداث هذه الرواية تقع في زمن افتراضي.. لربما ما بعد عام 2050. وفي مكان افتراضي في منطقة الخليج العربي. إن تشابهت شخصيات الرواية مع شخصيات في المنطقة حالياً فهذا ليس من عيوب الرواية. نقرأ منها:
أنت هنا
قراءة كتاب فازع شهيد الإصلاح في الخليج
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

فازع شهيد الإصلاح في الخليج
انتقــــاموقفت (أم فازع) أمام الخيمة ترنو إلى الأفق المهاجر المتواري خلف جيوش السراب، متحاشية النظر إلى النخلة الميتة المنتصبة على مسافة مئة متر من الخيمة. غريب جداً أن تموت هذه النخلة في هذه المنطقة الحبلى بالآبار الارتوازية! لربما كانت النخلة حزينة على الفعلة الشنيعة التي أقدمت عليها (أم فازع) ذات يوم!. لقد قتلت طفلة لها وهي في المهد خوفاً من غضب (أبو فازع) الذي يكرهُ البنات جرياً على السجية الجاهلية للعرب. كان (أبو فازع) في رحلة إلى الحج، حيث يقضي قرب بيت الله النصف الثاني من رمضان من كل عام، وهذا ما يسمح لـ (أم فازع) أن تبرر سقوط حملها، ولربما لن يسألها عن ذلك نظراً لكثرة أبنائه وبناته.
الأفق البعيد يغري بالتأمل. (أم فازع) ممسكة بحبل الخيمة المشدود تترقب أية حركة في الصحراء. الهدوء يلف المكان، في أواخر الشتاء، حيث المناخ يجعل المكان ملائماً لفعل الحياة. ثغاء جَدي صغير في الزريبة الملحقة بالخيمة الكبيرة، ناقة شبقة تراود ذكراً عن نفسه. دجاجات (أم فازع) تكأكي مستحثة الديك المغرور بفحولته وتاجه المنفوش. نسمات عليلة تأتي من الشمال محملة برائحة نباتات الصحراء النديّة. الشمس ساطعة تلفح وجه الصحراء الذي لا نهاية له. وخيمة الخادمات الآسيويات صامته إلا من صوت راديو خافت يحمل أثير أغان أجنبية. اللاندكروزر البيضاء تربض أمام الخيمة مثل الحارس. وقعت عينا (أم فازع) على السيارة البيضاء. نازعتها نفسها أن تستقلها وتبتعد عن هذا المكان الذي غاب عنه الرجال.
إمراة تحمل في صدرها ضجر العالم كله، لا يرقّ لها قلب، ولا تغمض عيناها حتى وقت المنام، إنها في حالة استنفار دائماً! طولها يقارب المترين، صدرها كبير وناهض يقاوم إغراءات الأستار التي تضعها عليه. عيناها كما عيني صقر، أنفها معقوف كخنجر وعلى يمينه شامة سوداء واضحة. شعرها، رغم تجاوزها الستين، مازال طويلاً وتحتاج لوقت طويل حتى تسرّحه وتلفه خلف رأسها. كل شيء فيها يوحي بالغموض، خصوصاً صمتها الذي يضايق صمت الصحراء.
لم تجزع عندما جاء الحرس العسكري وأخذوا ابنها (فازع)، ولم يتحرك فيها أيُ شعور إنساني أو عائلي. لقد علّمها (أبو فازع) على القسوة وغلظة القلب. كانت عينا (فازع) على وجهها عندما اقتاده الحرس التابع للقاعدة الأمريكية إلى المجهول. لكنها لم تبد أي موقف سوى النظر لوجه (أبو فازع) الذي أخفى حزنه بمسح لحيته البيضاء بيده؛ وهو يتمتم "لا حول ولا قوة إلا بالله.. حسبي الله ونعم الوكيل".
هذا المخيم هو المكان الشتوي للعائلة. تداول عليه أجدادهُ منذ مئتي عام بعد نزوحهم الأول من وسط الجزيرة العربية. وبنوا فيه بيوتاً طينية، أصبحت خرائب بعد أن نزحوا إلى العاصمة. يأتي (أبو فازع) كل شتاء مع زوجاته الثلاث وأبنائه وبناته ليستمتعوا بجمال الطبيعة وليبتعدوا عن ضجر العاصمة (ذلول) وأصوات سياراتها وحافلاتها التي لا تكلّ عن المسير ليل نهار. تلك المدينة الرابضة على شواطئ الخليج العربي، المفعمة بالحركة والتجارة والصناعة؛ الجاذبة لرؤوس الأموال والاستثمارات من كل بقاع الدنيا، وكذلك الشركات والبشر من كل الأجناس والألوان منذ بدأ النفط يتفجر فيها مع بداية الثلاثينيات من القرن الماضي. ولولا المدارس لما سكن (أبو فازع) تلك المدينة! لقد كان عليه إدخال أبنائه وبناته المدارس، رغم عدم اقتناعه بذلك. وصار أن عيّرهُ إخوانه بالتخلف - لأنه كان يعارض إدخال بناته المدارس- ويعتمد على تجارة بائسة وتوسلات إذلالية شهرية عند ديوان الحاكم.
اختلف (أبو فازع) مع إخوانه على ميراث والدهم. وكان أن أوصلوا الأمر إلى المحاكم. ولما تم الحكم وأخذ كل أخ حقه من الميراث، توزعوا في الأرض. أحدهم ذهب غرب الصحراء الواسعة وتوارى عن الأنظار. الآخر (سلمان) اشترى بيتاً في لندن وعاش بعيداً عن دنيا العرب منذ السبعينيات، وعلّمَ أبناءَهُ خير تعليم. وحدهُ (أبو فازع) الذي تمسك بأرض أجداده وتأقلم مع وضعه الجديد في البلاد التي أخذت تنمو بسرعة غير متوقعه. وتستحث القادمين بشهوة غريبة وتفتح ذراعيها بل وساقيها لكل مدهش وجديد. أغرته المدينة الجديدة ففتح تجارة للأغذية وكانت تدرّ عليه أموالاً طائلة؛ لأن البشر لا يتوقفون عن الأكل.
تلفتت (أم فازع) يمنة ويسرة، ونادت على الخادمات ليبدآن في طهي طعام الغداء؛ ثم دخلت الخيمة بعد أن أشبعت ناظريها في اللاشيء! الخيمة عبارة عن غرفة نوم أنيقة بها سرير من خشب الزان القوي، عليه مفارش باللون البورغاندي وغطاء نصفه أبيض والنص الآخر ذهبي يغطي جزءاً من مخدتي ريش متدثرتين بغطاء أبيض. على الجدار عُلق مسدس واتكأت بندقية صيد عند الكوميدينو. ساقتها رجلاها إلى البندقية. لمستها بأطراف أصابعها وكأنها تسمع هاتفاً من بعيد:
"تتساهلين حتى في ضناك. (فازع) صار له ستة شهور محد سأل عنه! وين الأمومة؟ وين عواطفك؟ مثل ما قتلتي البنت البريئة تساهلتي مع (فازع) وما سألتي عنه! مات.. حي! قلبك صار أقسى من الصخر".
أشاحت بوجهها عن البندقية وطردت الهاجس الذي حاول فاشلاً ترقيق قلبها كي تتذكر (فازع). جلست على طرف السرير وهي تنظر بأسى إلى المخدتين العذراوتين المشتهيتين للمؤانسة؛ بينما تسللت يداها نحوهما. تناهي إلى سمعها هدير سيارة يأتي من خارج الخيمة. تنبّهت من شرودها. رفعت يدها بسرعة عن المخدتين واستدارت نحو باب الخيمة. اقتربت سيارة عسكرية أمريكية من باب الخيمة بعد أن خلفت وراءها سيلاً من الغبار المنفلت من تحت دواليبها القوية. نادت (أم فازع) إحدى الخادمات كي ترى ما الأمر؟