كتاب " مشكلة الوعي ووعي المشكلة " ، تأليف د. مازن مرسول محمد ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب مشكلة الوعي ووعي المشكلة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

مشكلة الوعي ووعي المشكلة
ولكن المشكلة تكمن في كيفية إدراك الفرد لنفسهِ ولما يدور حوله: هل هو إدراك عقلاني صحيح أم يعتريه الضعف ؟
فكل إنسان مهيأ للوعي وهو قادر على ذلك، ولكن الإشكالية تكمن في نوعية امتلاكهِ للوعي وهل هو جاد أم وعي مغالط للواقع والمنطق. و « الوعي عند أدموند هوسرل لا يهدف فقط للمعرفة التجريبية والواقعية، إنما يهدف للتعالي على هذه الوقائع، لكي يصل إلى الماهيات الخالدة، أي أنّ الوعي هو الطريق من العالم الزماني والتجريبي لكي يصل إلى عالم الماهيات اللازماني والخالد، وهو قول شبيه جداً بأطروحات المثاليين، فالصورة أهم من الهيولى عند أرسطو، والفكر ضمان الوجود عند ديكارت، والموناد هو الروح الذرَي عند ليبنز، والقالب الصوري هو الحاوي لتناقضات المادة عند كانط، والتمثل الفكري عند شوبنهور، مثلما أنّ الواقع هو العقل نفسه عند هيغل» (11) .
ولربما طرح آخر يرى أنّ الوعي هو القدرة على تأويل المشاعر وتفسيرها، بالعبور منها إلى الواقع الموضوعي، وهي القدرة على العبور من الذاتية إلى الموضوعية عن طريق التأويل (12) .
إن الوعي وإدراكه ينقل الفرد إلى فضاءات أوسع يمكن أن يتصرف فيها وفق هذا الانسجام في الوعي، ويمكن أن ينقله وعيه إلى قيعان التقوقع والعزلة عند مجانبة الواقع والعقلانية.
كذلك، فإنّ مستوى الوعي يعد الخطوة الأولى في تكوين الجوانب الوجدانية بما تتضمنه من الاتجاهات والقيم، وغالباً ما يكون الوعي مشبعاً بالجانب المعرفي رغم وقوعهِ في أدنى درجة من التصنيف الوجداني، وللوعي مجالات عديدة منها: الاجتماعي والبيئي والسياسي والاقتصادي (13) .
من ذلك تبرز بجلاءٍ واضح ضرورة فكِّ غموض الوعي لتركز الجانب المعرفي عليه، ولا يقتصر على وعي الفرد لذاتهِ وإنما يلحقه الوعي بالآخرين ووعي الفرد أو المجموع للمحيط الاجتماعي، وكذلك للبيئة وللثقافة والسياسة والتكنولوجيا بل تشمل جوانب الحياة كافة.
فضلاً عن ذلك، ما يمكن أن يعيه الفرد ولكن بطريقةٍ انقلابية على الوعي بتسييرهِ لمعاكسة نظم الحياة دون مبررات منطقية واضحة، والوعي بتحطيم الآخرين وتهميش الحياة الإنسانية.
«إن تضخم الذاتية يحجب عنّا الوعي ويحملنا على إسقاط مشاعرنا الذاتية الخاصة على العالم وفهمهِ من خلال هذهِ المشاعر، فالوعي يقوم على تحويل الذات إلى رؤية خالصة من شوائب الرغبة، والإنسان في صميمهِ (وجود في العالم) كما يعبرّ الوجوديون، ولكن نمط وجودهِ يختلف عن نمط وجود الأشياء، فالإنسان يتميز عن الأشياء بصفتهِ قيمة في ذاتهِ، فهو غاية في ذاتهِ وليس وسيلة أو أداة لغيرهِ» (14) .
ربما تكون المعرفة الذاتية لذات الإنسان نفسه قادرة على قولبة وعي متكامل قادر على انتشال الإنسان من محيط مقفر ويمكنه من النظر إلى ما هو أبعد بعين عقلانية فاحصة، في حين أن مديات منظومة الوعي الصحيحة لا يمكن أن تبقى حبيسة الفرد نفسه، وإنما التلقائية الموجودة فيها تدفع الإنسان إلى تعميمها على الخارج ومن ضمنها الإنسان الآخر والمحيط.
وما قيمة الإنسان الجوهرية ووجوده الخالص إلا وكان انعكاساً لوعي نوعي خط الطريق لذلك الإنسان وساهمت ظروف معينة في صقلهِ وأوصلته إلى ما هو عليه.
وارتباطاً وإجمالاً لذلك فالوعي بمعناه العام تشكيلة من الأفكار والاتجاهات والمفاهيم والنظريات والصور الذهنية إزاء الظواهر والموضوعات الكبيرة، يؤلف مكوناً مهماً في الثقافة الحديثة (15) .
وهو ملكية الإنسان التي تحدد مسار حياته في أن يكون إنساناً نوعياً يساهم في رسم طريق صحيح لحياتهِ ومجتمعهِ دون انتكاسات، أو يخرج وينزلق في هاوية نقص الوعي أو عدم إدراك الوعي نفسه.
لذا فمشكلة فهم الوعي تتفاقم بتجاهل الإنسان لهذهِ المنظومة، التي تحرّكه في ميادين حياتهِ، على أن يكون الفهم المطلوب هو للوعي الجاد وليس الوعي والتنبه لإخلال توازن الحياة وتفكيكها.
فقد يكون الإنسان واعياً ولكن ما مضمون الوعي الذي يملكه هل هو الوعي بعقلانية بالذات وبالآخر وكيفية بناء الحياة، أم هو الوعي والتنبه للإطاحة بمقدرات النوع الإنساني ؟

