كتاب " مشكلة الوعي ووعي المشكلة " ، تأليف د. مازن مرسول محمد ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب مشكلة الوعي ووعي المشكلة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

مشكلة الوعي ووعي المشكلة
وقد مارست الشعوب التنشئة الاجتماعية باعتبارها ضرورة اجتماعية هدفها إعداد الفرد إعداداً قويماً، لينال مكانة في جماعتهِ ولتنشأ أجيالها على ما نشأت هي عليه، بغية الحفاظ على التراث والهوية والعادات والتقاليد (33) .
وواقعاً، فإن إعداد الفرد لامتلاك واكتساب المهارات والمعارف والوعي المتكامل، لا يمكن أن تتكفل به مؤسسة أو مرحلة بمعزل عن المؤسسات أو المراحل الأخرى، وذلك لتكاملية الدور التأهيلي للتنشئة الاجتماعية في صياغة الشخصية الإنسانية القادرة والمالكة لوعي متكامل.
إن مصطلح التنشئة الاجتماعية بات يُطلق على العملية التي يتعلم بواسطتها الأطفال أو الأفراد المستجدون في المجتمع كل أساليب وسلوكيات حياة مجتمعاتهم، فهي الوسط الأول والأساس لنقل ثقافة المجتمع الذي يحيا فيه الفرد من جيل إلى جيل وعلى مدى الدهور (34) .
وحقيقة إن عملية نقل الثقافة لا يمكن أن تتم بسهولة، ودون تهيئة إمكانية النقل من دون مؤثرات، وللتنشئة الاجتماعية دور جوهري في إعداد الأفراد الذين مرَوا بدقةٍ متناهية عبر قنوات مراحل حياتهم ، كما أنه لها دور مؤثر في صقل حياتهم عبر اكتسابهم لخبرات ومعارف الحياة.
ولا يمكن للفرد امتلاك المعارف والخبرات ونقل الثقافة دون وجود منظومة وعي متكاملة ساهمت قنوات التنشئة في إعدادها بالشكل الأمثل، حيث تساهم التنشئة الاجتماعية في تعبئة الوعي لدى الفرد مكتسبة ذلك من مؤثرات الحياة المحيطة بالفرد وقنواتها.
ويؤخذ بعين الاعتبار والحسبان ما تقوم به التنشئة الاجتماعية من تحويل الفرد إلى كائن اجتماعي وإشباع حاجاته الثقافية ومساهمته في الاتجاهات العقلية والقيم السائدة في مجتمعهِ (35) .
إن نقل الإنسان من طبيعة الكيان الذي لا يملك صفة الإنسانية والقريبة من الحيوانية بعدم امتلاكه لخبرات وسلوكيات البشر وتفاعلاتهم إلى كيان اجتماعي، يشير إلى البدء بإنشاء وصقل الوعي لذلك الفرد وزيادة التراكمات المعرفية عنده، لينتقل عن طريق وعيه من مرحلة حياتية إلى أخرى أكثر نوعية وتطوراً أو مكملة لمسيرة حياتهِ.
فالفرد الواعي يصبح مستجيباً للمؤثرات الاجتماعية التي هيأتها له التنشئة الاجتماعية، وما قد تشتمل عليه هذه المؤثرات من ضغوط وما تفرضه من واجبات التكيف للسير في الحياة وتقبل الآخرين (36) .
وربما يكون الفرد في مرحلة إعدادهِ اجتماعياً عن طريق التنشئة الاجتماعية قد صاحب وعيا ً يحتاج إلى تكوين نوعي أكبر، لكنه أصبح على وعي بدرجة أو بأخرى بضرورة المضي والولوج في سياق الحياة الاجتماعية، الذي يحتم عليه اكتساب صفات ما يحيط به من الأفراد وكيفية معاملتهم لسير الحياة.
ولا تخرج عن ذلك مساهمة التنشئة الاجتماعية في عملية تكوين الأنا للفرد والتعلم الاجتماعي والتوافق الاجتماعي والتثقيف ، بما تمتلكه من وحدة وتكامل مميزين (37) .
وتكوين الأنا ضروري جدا ً لشخصية الفرد وإطلاق قابلياته وتحديد حدود شخصيتهِ، وهو ما تساهم به التنشئة الاجتماعية بجعل الفرد يفكر بوعيٍ كيفية بناء حياته والبدء والشروع بتحديد مصيره على كل المستويات ومعرفة ما يدور حوله وفي محيط مجتمعهِ.
ومن صفات عملية التنشئة الاجتماعية أنها تستمر على مدى العمر وتتمخض في بعض نتائجها عن تشكيل وإعادة تشكيل التفاعلات الاجتماعية، إذ تتيح المجال للأفراد بأن ينمّ وا أنفسهم ويطوروا قابلياتهم وطاقاتهم للاندراج في سياق الحياة الاجتماعية (38) .
واستمراريتها هذه تأتي من تعاقب أجيال البشر وانتقال مراحل تنشئتهم من جيل إلى آخر دون انقطاع، ولا يشذ عن ذلك استمرارية التنشئة الاجتماعية غير السليمة في إعداد الأفراد بطريقة خاطئة .
وعليه، فامتلاك الوعي يمكن أن تساهم بهِ قنوات التنشئة الاجتماعية بدرجة أكبر، سواء أكان الوعي الجاد أم الوعي القاصر المأزوم، كلٌّ وفق ظروف وبيئة ومحيط الحياة التي نشأ وتربى الفرد في داخلها.

