كتاب " مشكلة الوعي ووعي المشكلة " ، تأليف د. مازن مرسول محمد ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب مشكلة الوعي ووعي المشكلة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

مشكلة الوعي ووعي المشكلة
إذ قد يحتج البعض على قول : إن الإنسان قد يكون واعياً أو لا، بقولهم: إنّ الجميع يملك الوعي وهو قادر على التصرف بهِ.
حيث إن الأمر يتمثل بقابلية الإنسان على التصرف بوعيٍ تام أم لا، فالفرد لديه الاستعداد ليعي كل شيء وعياً خالصاً دون عراقيل، ولكن بالمقابل قد لا يعي أيّ شيء أو يتغافل عن ذلك بوعيٍ مناقض أو مضاد، أي يعي الأشياء للمصلحة التي يريدها ويترك الأشياء الأخرى، كأن تكون الخاصة دون العامة، أو توظيف وعيهِ ومعرفتهِ لجوانب لا تعم بالفائدة على الجميع.
فمن الخطأ الحكم على الشخص بأنهُ لا يوجد لديه وعي عند التصرف بتصرفات مناقضة للعقلانية، وإنما لديه وعي ولكنه وعي سلبي مضاد وليس الوعي الجاد العقلاني الذي يمكن عن طريقه إدراك ذاته ِ ومن حولهِ ومحيطهِ الداخلي والخارجي وفق الأسس الصحيحة، وبالتالي يحيا سلوك النوع الإنساني.
ولذلك وجد الوعي نفسه أمام مشكلةٍ ألا وهي كيفية وعيه، أي وعي الوعي وإدراكهِ، أليس عالمنا اليوم يديره البشر، ومن هؤلاء البشر، كلنا بشر، ولدينا القابليات على إحالة حياتنا دماراً أو ازدهاراً، ومنظومة الوعي كفيلة بذلك.
على أن يشذ من ذلك ضعيف القدرات العقلية من البشر، حيث إن الأمر رهن وكفيل بالإنسان الصحيح البنية والفكر في كيفيته ِ بالتصرف في رسم خطوط الحياة إلى الأفضل أم الأسوأ.
لذا فقد لا نجانب الحقيقة ولا نغالي إن أيقنا بوجود مشكلة في الوعي الإنساني جاءت وتبلورت بتأزم هذا الوعي من قبل الإنسان ذاتهِ.
كما أنّ انسرابات هذا القصور الذي لحق بالوعي كبيرة جداً وامتداداتها عميقة وواسعة، وإلّا فما معنى تسيير الحياة بقلة وعي أو وعي مأزوم متدهور، ولعل لسان حال العالم والبشرية يوضح ذلك بالقول إن صورة التأزمات الحياتية المختلفة في الميادين كافة ما هي إلا انعكاسات لتأزم منظومة الوعي سواء بتغييبهِ أو ضعفهِ أو استخدامهِ بطريقة غير عقلانية.
وإذا كان الوعي قاصراً كيف لنا كبشر أن نتصرف حيال مشكلاتنا ، هل هناك من وعي لمنع حدوثها وكيفية علاجها إن حدثت؟ قد يكون التفسير لذلك هو معالجة ما أنتجته العقول غير الواعية أو ضعيفة الوعي من تقزمات وانتكاسات ومشكلات بما هو موجود من وعي متكامل صحيح وعقلاني.
إن المشكلات تعج اليوم في حياتنا البشرية، منها ما هو اجتماعي واقتصادي وثقافي وسياسي وغيرها، وعدم الوعي بها معناه تفاقم وتزايد هذه المشكلات وسيرنا نحو طريق مغلق يؤول إلى فناء الحياة أو عيشها بتأزم وبكثير من الأمراض.
نُظر إلى المشكلة على أنها «أية صعوبة محيّرة، حقيقة كانت أم اصطناعية يتطلب حلها إعمال الفكر» (16) .
فكثير من معوقات الحياة وتناقضاتها اليوم اتفق على نعتها بمشكلة، أي تتطلب حلولاً تخفف منها أو تزيلها نهائياً.
والمجتمعات البشرية مملوءة اليوم بالمشكلات وعلى الأصعدة كافة، وهي من وضع الإنسان الذي جعل نفسه بينها تتجاذبه أمواجها.
إن المشكلة الاجتماعية تحدث في المجتمعات البشرية كافة، وأياً كان نوع هذه المشكلة فهي دلالة على تعويق أو حدوث اضطراب يعرقل سير الأمور بتلقائية، الأمر الذي يستدعي وجود معالجات كفيلة بحلها (17) ، إذ إنها تمثل انقطاعاً لحلقات يمكن أن تكمل حلقات المسيرة الإنسانية، أو إنها تمثل مرضاً يصيب جسم المجتمع فيحاول نخر أعضاءهِ وتهديمه ِ.
ويُنظر إلى المشكلة كذلك على أنّها نقص متزايد في القيم الاجتماعية، التي يتمسك بها المجتمع ولا يفرط بها ، لذلك تختلف المشكلات حسب اختلاف النسق القيمي في المجتمعات (18) .
ومما سبق يمكن التساؤل والقول: هل إن الخلل أو النقص في القيم الاجتماعية خلقته ظروف خارجة عن الكيان البشري ؟
بالتأكيد لا، فالإنسان هو المسؤول عن خرق القيم وضعفها بعدم عقلانيته ِ لها، وبنقص الوعي أو تدهورهِ لديه، الأمر الذي جعل من تدهور النسق القيمي مشكلة كبيرة له، على اعتبار أنّ النسق القيمي معناه الترابط الاجتماعي والتكامل والتناغم والتوحد دون التمزق والحفاظ على العادات والتقاليد والهوية والثقافة.
فكيف لا يمثل انهيار النسق القيمي أعظم المشكلات؟

