أنت هنا

قراءة كتاب فرص التغيير

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
فرص التغيير

فرص التغيير

كتاب " فرص التغيير بعد فشل الليبرالية المتطرفة وسقوط الأحادية القطبية "؛ كشفت الأزمة المالية الخطيرة التي انفجرت في صيف عام 2008 في الولايات المتحدة والعالم، زيف الأوهام التي أشاعتها آلة الدعاية الغربية طيلة عقدين من الزمن، حول القدرات غير المحدودة للأسواق

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

انتهت نزاعات وحروب، وتفجرت نزاعات وحروب أخرى أشد. دمرت قوى سياسية واجتماعية، ونهضت قوى بديلة مغايرة. اهتزت مفاهيم وأيديولوجيات، وازدهرت أيديولوجيات وطروحات مختلفة. والآن مع انفجار الأزمة المالية والاقتصادية واستمرارها، وتفاقم الارتباك الاستراتيجي للتحالف الأميركي- الأطلسي وأتباعه في العالم، وتزايد انكشاف الجانب الطفيلي والعنفي للرأسمالية العالمية، ينتظر مليارات من البشر، تجاوز هذه الحقبة المضطربة بأسرع ما يكون، باتجاه بناء عالم متآخ ومسالم ومزدهر وديموقراطي وعادل. وهو أمل أحبط مراراً عبر التاريخ، ولم يكن السقوط المدوي للتجربة الاشتراكية المتحققة، سوى أحد فصوله المتكررة. ويعزز مشروعية هذا التطلع، الوضع المتفاقم "لقريتنا العالمية"، وهو الاسم الذي أطلقه بعضهم على كرتنا الأرضية ترحيباً بزمن العولمة. ولكن التيارات اليمينية والليبيرالية المتطرفة، على الرغم من نكستها الراهنة، ما زالت قادرة على احباط هذا التطلع، فاتضاح مسؤوليتها عن تفاقم المشاكل والمصاعب، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية والأمنية التي يعانيها العالم، والتبدد التام لموجة التفاؤل المبالغ فيه الذي روجت له بعد نهاية الحرب الباردة، ليس كافياً بحد ذاته، لشل قدرتها على لجم مسار الخروج من أسر الماضي. فهي ما زالت تحتفظ بالكثير من عناصر القوة، إلى جانب استغلالها لضعف أخصامها وتشتتهم، مع أن الشروط الموضوعية للتغيير تنضج تدريجياً، الا أنها تحتاج إلى انضاج عوامله الذاتية. ولن تكون النتيجة العملية لتأخره، سوى مضاعفة الثمن الذي ستدفعه كل المجتمعات البشرية، المتقدمة والنامية والمتخلفة، دون استثناء. فاشكالية التناقض المتزايد، بين مستوى الانجازات العلمية والتقنية، ووتيرة التوسع والتعمق في معارفنا بأسرار الكون والطبيعة والحياة، وتوسع القدرات الانتاجية والثروات المتاحة من جهة، واستمرار الفقر والمرض والجوع والعنف والتخلف والتدهور البيئي على النطاق العالمي، من جهة أخرى، يصعب احتمالها أكثر فأكثر، ولا يمكن تفسيرها وفهمها الا على ضوء طبيعة المصالح والقوى الممسكة بالقرار العالمي حتى الآن. ويبدو مثيراً للغضب بشكل متزايد، اصرار قادة العالم المعاصر الحقيقيين، أي أصحاب الشركات الرأسمالية العابرة للقارات، والقوى السياسية والأيديولوجية المرتبطة بهم والمدافعة عنهم، على تعطيل الامكانات المتاحة لمعالجة مشاكل التطور البشري، بسبب مآربهم الآنانية، المتعارضة أكثر فأكثر مع ضرورات هذا التطور. كما يبدو محبطاً استمرار العجز عن لجم انفلات هذه القوى ومنعها من الاستمرار في استخدام مختلف الوسائل المشروعة وغير المشروعة، لفرض مصالحها الضيقة ورؤيتها الرجعية على العالم. ولكن الواقع يبقى هو الواقع، مهما بدا متناقضاً ولاعقلانياً. فقد نجحت القوى المهيمنة على المسرح الدولي حتى الآن، في عرقلة مختلف مشاريع بناء عولمة بديلة أكثر إنسانية، بما في ذلك تلك التي طرحتها قوى من داخل النظام السائد. وهذا يفسر لماذا لم يؤد انتقال العالم من الثنائية القطبية إلى الأحادية الأميركية، إلى خفض التوترات العسكرية والسياسية والاجتماعية، بل أدى إلى نقيضها. حيث حصل عكس ما توقعه بعضهم، أو بشرَّ به بعضهم الآخر، غداة نهاية الحرب الباردة. فقد توسعت وازدادت المعضلات الاقتصادية والديموغرافية والبيئية والأمنية التي يواجهها العالم بدل أن تنحسر، اذ اتخذت بنية الرأسمالية المعاصرة، في سياق سيرورة العولمة الموضوعية، طابعاً أكثر استقطابية وطفيلية. فازدادت باطراد هيمنة الشركات الرأسمالية العملاقة على كل جوانب حياة المجتمعات والدول، التي خسرت قدرتها على التحكم بمصيرها. كما ازدادت حدة التمايزات والفروقات الاجتماعية، داخل المجتمعات النامية والمتطورة على السواء. وساهم في تفاقم هذا المنحى عوامل عديدة، من أهمها: طبيعة الطور الذي دخلته الرأسمالية المعولمة ودرجة نضج تناقضاتها، وطبيعة التوازنات الدولية التي سادت بعد نهاية الحرب الباردة، اضافة لصفاتالنظام الأميركي المسيطر وسماته التاريخية المميزة، إلى جانب أثر التراجع النسبي، لدور القوى الاجتماعية والنقابية والسياسية التقدمية والديموقراطية، التي كانت تلجم قوى الرأسمال العالمي والقوة الأميركية. ولم يكن صعود قوى اليمين الليبيرالي المتطرف في الغرب، أولاً بقيادة تاتشر وريغن، ثم بقيادة المحافظين الجدد، معزولاً عن كل هذه العوامل. وقد أدى اتساع نفوذها، وهيمنة مفاهيمها الرجعية وشبه العنصرية على المسرح السياسي الغربي، وانتصار العدوانية، إلى خسارة البشرية لفرصة الاستفادة من انتهاء الحرب الباردة، من أجل شق طريق جديد لتطورها، اكثر توازناً وعقلانية وعدالة. ففي مناخ ذلك الصعود وفي ظل ضغوطه السياسية والأيديولوجية والمادية، جرى تحول الولايات المتحدة من سياسة الانفراج الدولي، إلى استئناف المنافسة التقنية والاقتصادية والمالية الصريحة، مع المراكز المتطورة اقتصادياً في أوروبا وشرق آسيا، والى اعتماد نهج الضغوط والاملاءات السياسية والتدخلات العسكرية والأمنية، في باقي أنحاء العالم، مما حتم تلك الخسارة، حيث كان من المستحيل استمرار مناخ الانفراج، بينما تتابع الولايات المتحدة تعزيز انتشارها الأمني والعسكري في كل أرجاء الكرة الأرضية، وتقدم على عمليات عسكرية متتالية، وتشن الحروب المتنقلة. لقد كان من الصعب الجمع بين رغبة العالم في تجاوز ذهنية الحرب الباردة، وبين سعي القيادة الأميركية إلى تشديد قبضتها على أتباعها والى إرهاب أخصامها، والى محاولة فرض سلطتها العالمية بالقوة العارية. وهو النهج السياسي، الذي أستأهل عن حق تسمية العولمة المتعسكرة. علما بأنه ليس مستجداً بشكل كلي، بل هو استمرار لنهج التوسع الاقتصادي والعسكري الذي بدأته الولايات المتحدة منذ نهاية القرن التاسع عشر، وعززته خلال الحرب الباردة بحجة حماية " العالم الحر " من الخطرين السوفياتي والشيوعي، ثم استكملته بتطويق استراتيجي كامل لأوراسيا، خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ومع ازدياد الأهمية الاستراتيجية لآسيا في العقدين الأخيرين من القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين، ولوسطها على الأخص، بادرت إلى تزخيمه، عبر تنشيط سياسية التطويق والاختراق المعتمدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقد برر استراتيجيو ادارة جورج دبليو بوش ذلك التزخيم بالوقائع التالية: التوزع الجديد للقوى الاقليمية والعالمية الصاعدة، وخارطة انتشار العدو الذي تم اختياره ليأخذ دور العدو السوفياتي السابق، أي الإسلام الجهادي، وقد دعاه جورج بوش في بعض خطبه "الإسلام الفاشي"، اضافة لخارطة انتشار مصادر الطاقة وطرق امدادها، دون نسيان الحاجات الأمنية للكيان الصهيوني الحليف. لذا كان لا بد والحال هذه، أن تنال المنطقة العربية والإسلامية، أو ما أسماه الأميركيون " الشرق الأوسط الكبير"، الحصة الأكبر من تداعيات التوجه الأميركي والأطلسي المشار إليه، خاصة بعد أحداث 11 أيلول 2001، في ظل عنواني (الحرب على الإرهاب ونشر الديموقراطية). فدخلت، والأصح أدخلت، منطقتنا في مرحلة تاريخية جديدة نوعياً، قد تكون من أصعب مراحل تاريخها المعقد والمضطرب والدامي. فإلى جانب أزماتها الموروثة، من تخلف شامل، اقتصادي واجتماعي، وتفكك سياسي، وركود علمي وتقني وثقافي، وسيطرة أنظمة سياسية، أوتوقراطية من مخلفات القرون الوسطى، وعسكرية من مخلفات الحرب الباردة، واستهدافها المتواصل بالعدوانية الاسرائيلية المدعومة من الغرب، باتت تحت الاحتلال الأميركي - الأطلسي - الاسرائيلي العسكري المباشر، مما أعادها إلى الواقع الاستعماري السابق الذي اعتقدت أنها فد تخلصت منه.

الصفحات